الرئيسيةSlider"خيارات مفتوحة".. من دون ضوابط!

“خيارات مفتوحة”.. من دون ضوابط!

| جورج علم |

 

إذا كانت الشراكة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران في إدارة شؤون المنطقة متعذّرة، أو شبه مستحيلة، فما هي البدائل؟

سؤال توقّف عنده كلٌّ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال محادثاتهما في البيت الأبيض، وكان هناك تفاهم على عدم اتخاذ مواقف يمكن أن تنعكس سلبًا عليهما في الانتخابات التي ستُجرى في الخريف. فترامب له مصلحة في أن يستمر نتنياهو على رأس الحكومة الإسرائيلية، والأخير له مصلحة في انتصار الجمهوريين في الانتخابات النصفية، كي يستمر ترامب مسيطرًا على مفاصل القرار، متحررًا من عقدة الكونغرس وسطوة الديمقراطيين.

ويتمحور هذا التفاهم حول أهداف مشتركة، مع ترك هامش عريض لكليهما، بحيث يتخذ كل طرف ما يراه مناسبًا من خطوات تعزّز رصيده الداخلي، من دون أن تلحق ضررًا بالأهداف المرسومة.

ونجح نتنياهو في تضييق الفجوة مع نائب الرئيس جي دي فانس، بمعنى أن إسقاط النظام الإيراني يصبح أولوية لدى الأخير إذا فشلت الدبلوماسية في تحقيق الأهداف المعلنة، سواء ما يتعلق بمضيق هرمز، وأمن الطاقة، والسلاح النووي، والصواريخ الباليستية، وتخصيب اليورانيوم، ورفع العقوبات، وتجفيف الأذرع. في المقابل، يتراجع نتنياهو عن أولوية إسقاط النظام إذا كانت المفاوضات ستؤدي إلى تحقيق كل هذه المكاسب، بل يصبح التمسك باستمراريته ضمانةً لوضع ما رُسم على الورق موضع التنفيذ على أرض الواقع.

وتتعامل الدبلوماسية الأميركية مع هذه المرحلة التي تسبق الانتخابات على أنها “مرحلة الخيارات المفتوحة”، وهذا ما تبلغته المملكة العربية السعودية ومعظم دول الخليج، المسكونة بهواجس مقلقة حول المستقبل والمصير، والأثمان الباهظة إذا ما استمرت الأمور تتراوح بين جولة مفاوضات من جهة، وقصف وتصعيد من جهة أخرى، من دون أفق، وفي ظل غياب أي مؤشر إلى نهاية النفق.

ومن الهواجس المتفاقمة لدى دول الخليج أن يكون من بين الأهداف غير المعلنة وجود نوع من التواطؤ بين الجهات الرئيسية المتصارعة لتدمير مسيرة النهوض، وإلحاق أكبر قدر ممكن من الخراب والدمار بالبنى التحتية والمنشآت الحديثة، بعدما شكّلت الفورة الاقتصادية والعمرانية تحديًا ليس لـ”إسرائيل” وحدها، بل أيضًا للجار الإيراني، و”الحليف” الأميركي.

ويشكّل ما يتعرض له الخليج اليوم تحديًا يحيط به كثير من علامات الاستفهام، كما يطرح خيارات قيد البحث بين دول مجلس التعاون، وتحظى بنقاش جدي وعميق محوره: كيف نواجه هذه المحنة؟ وكيف يمكن توفير الحماية لتلافي الاعتماد على قوى أخرى صاحبة مطامح ومطامع؟

ويرتقي مشروعان حيويان سلّم الاهتمام:

الأول يدعو إلى الحوار والتهدئة، والتوصل إلى حلول وتسويات عبر المفاوضات، وبناء العلاقات الخليجية – الإيرانية على أسس واضحة تعالج الهواجس، وتحمي المصالح، وتنتهي إلى بناء جسور من الثقة والاحترام المتبادل.

ويقضي المشروع الثاني بإقامة نظام دفاع خليجي مشترك بين دول المجلس، يفي بالضرورات، ويحاكي التحديات الآنية والمستقبلية، على غرار ما هو قائم لدى حلف شمال الأطلسي “الناتو” أو الاتحاد الأوروبي.

وينطلق البحث من قناعة بدأت تتوسع وتترسخ، مفادها أن الاعتماد على الحمايات الخارجية لا يفي بالمطلوب، ولا يحقق أمنًا أو استقرارًا، ولا يوفر ضمانة فعلية موثوقة. وقد أكدت المواجهات المندلعة في المنطقة صوابية هذه النظرية، التي بدأت تكتسب قدرًا كبيرًا من التداول انطلاقًا من مسلمات ثلاث:

الأولى، أن لدى دول مجلس التعاون من الخبرات والإمكانات البشرية والمادية ما يؤهلها للانتقال من “مجلس التعاون” إلى “حال الاتحاد”، وبناء استراتيجية جديدة شاملة تقضي بإنشاء “مجلس دفاع مشترك” يوفر الضمانات المطلوبة، ويحاكي كل المخاوف والهواجس والتطلعات.

الثانية، أنه لا يمكن استغلال الموارد وبناء اقتصاد سليم ومتطور إلا بتوفير مظلة حماية متينة. وكل “الرؤى الاقتصادية التطلعية” تبقى على شفير الهاوية، وأمام خطر السقوط المدوي، إذا لم تتوافر لها شبكة أمنية ضامنة.

الثالثة، أن المتغيرات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط تحتّم مقاربات خليجية مختلفة عن السابق، تشكل نوعًا من استقلالية القرار والخيار، فلا تكون تبعية، بل صاحبة حضور وكلمة وموقف مستقل في مقاربة الأحداث، طبقًا لمستلزمات السيادة الوطنية والمصالح العليا.

ويبدو أن التحدي لم يعد حكرًا على دول الخليج، بل بدأ يتحول إلى ظاهرة تستقطب اهتمامًا متزايدًا، حيث يكثر الحديث هذه الأيام عن تحالف دولي كبير قيد الإنشاء لحماية الممرات المائية، وتوفير الضمانات الموثوقة لإمدادات الطاقة.

وليس لبنان ببعيد عن التفاهمات الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة. فقد أقنع نتنياهو ترامب بأن الجيش اللبناني لا قدرة لديه على بسط النفوذ والسيطرة، وإن كان يملك الإمكانات، فهو يأبى الدخول في مواجهة “كسر عظم”، حرصًا على الوحدة الداخلية. كما أن التطورات المتسارعة في الخليج بدأت تنعكس على نشاط الأذرع في كل من العراق واليمن، وربما لبنان أيضًا.

وبناءً على ما تقدم، حوّل نتنياهو الجنوب إلى حقل اختبار لما يسمى “الخيارات المفتوحة”، وفق رؤيته وأهدافه ومصالحه. فيمرّ التفجير المزلزل بجوار قلعة الشقيف من دون همسة اعتراضية من الولايات المتحدة، وتخضع المناطق التجريبية لسلسلة من التجارب التي تنهكها، وتفرغها من أي محتوى سيادي، تحت أنظار قيادة “سنتكوم” ومراقبيها المخولين بمنع المخالفات ووقف التجاوزات.

حتى الديناميكية التي أعقبت المحادثات الرئاسية في البيت الأبيض لم تسفر عن خطوات سريعة يُبنى عليها، ولم تنتج استقلالية خاصة بفصل المسار اللبناني عن المسارات الأخرى الملتهبة في المنطقة. ويبقى الحديث يدور حول جولة من المفاوضات يعقبها جولة من العنف، ودوران في الحلقة المفرغة، وشروط متناسلة، ومرحلة جديدة من “الخيارات المفتوحة” قد تستمر سارية المفعول حتى تشرين الثاني المقبل، موعد الانتخابات النصفية للكونغرس.

فكيف ستكون أحوال المنطقة إذا ما استمرت الأمور على هذا النحو؟ ليس في الأفق ضمانات.

 

شريط الأحداث