الرئيسيةشريط الاحداث"نموذج التنبؤ".. مفتاح فهم العقل البشري وتحسين القيادة

“نموذج التنبؤ”.. مفتاح فهم العقل البشري وتحسين القيادة

يعمل الدماغ البشري بمثابة “محرك للتنبؤ”، وفقاً لنموذج حديث نسبياً في علم الأعصاب يُعرف بـ”نموذج التنبؤ” (Prediction Paradigm)، إذ يشير هذا النموذج إلى أن الدماغ يسعى باستمرار إلى توقع ما سيحدث، وفي الوقت نفسه يحاول تقليل الفجوة بين توقعاته والانطباعات الحسية الفعلية.

ويرى خبراء في جامعة أوسلو بالنرويج أن هذه الديناميكية تقف وراء جزء كبير مما نقوله ونفعله ونشعر به، مشيرين إلى أن فهم آلية عمل الدماغ بهذه الطريقة قد يساعد القادة ورواد الأعمال على فهم الأشخاص الذين يعملون معهم بشكل أفضل، كما يساعدهم على فهم أنفسهم.

ويُعد “نموذج التنبؤ” مفهوماً حديثاً في علم الأعصاب، إلا أن الفكرة الأساسية التي يقوم عليها ليست جديدة، إذ يعود جانب منها إلى نحو 130 عاماً، وتحديداً إلى سيغموند فرويد، رائد علم النفس الحديث، الذي تحدث عن مفهوم “الإسقاط” (Projection).

ويشير مفهوم الإسقاط إلى ميل الإنسان إلى توقع توافق سلوكيات الآخرين مع تجاربه السابقة؛ فعلى سبيل المثال، إذا تعرض شخص لانتقادات قاسية في الماضي، فقد يتوقع التعرض للانتقاد في الحاضر، وربما يعتقد أن الآخرين ينتقدونه حتى في غياب ذلك، ما قد يؤثر سلباً على علاقاته.

ورغم أن الإسقاط قد يجعل الحياة أكثر صعوبة، فإن الحاجة إلى التنبؤ تُعد جزءاً أساسياً من عمل الدماغ البشري، إذ يتفق علم النفس الحديث وعلم الأعصاب على أن الدماغ يسعى دائماً إلى خلق توقعات حول العالم المحيط به. وعندما لا تتطابق الأحداث الواقعية مع هذه التوقعات، ينشأ شعور بعدم الارتياح الذهني.

كيف يمكن للقادة الاستفادة من آلية التنبؤ؟

يشير الخبراء إلى أن فهم طبيعة عمل الدماغ قد يساعد القادة على تحسين أساليب إدارتهم، وذلك من خلال عدد من المبادئ:

أولاً: أن يكون القائد واضحاً ومتوقعاً في تصرفاته

يقول أحد المديرين التنفيذيين المتخصصين في إنقاذ الشركات المتعثرة إن أفضل طريقة لقيادة شركة خلال الأزمات تتمثل في أن يتمكن الموظفون من توقع ما سيقوله المدير وما سيضعه ضمن أولوياته في مختلف المواقف.

ويُعتقد أن القائد الذي يتمتع بالثبات والاتساق يساعد العاملين معه على الشعور بالاستقرار ومعرفة ما ينتظرهم، في حين أن القادة الذين يتصرفون بطرق غير متوقعة قد يلفتون الانتباه، لكن القادة الذين يحلون المشكلات بأسلوب ثابت وقابل للتوقع هم من يبنون مؤسسات ناجحة.

ثانياً: التحلي بالصبر تجاه توقعات الآخرين

عندما يكوّن الإنسان توقعاً معيناً، يصبح تغييره أمراً صعباً، وعندما لا يتطابق الواقع مع هذه التوقعات يظهر ما يسميه الخبراء “عنصر المفاجأة” (Surprisal)، وهو شعور مرتبط بعدم اليقين وعدم الارتياح.

وقد يحاول الإنسان أحياناً، من دون وعي، جعل الواقع يتوافق مع توقعاته. فعلى سبيل المثال، إذا توقع شخص أن زميله لا يحبه، فقد يبدأ بتجاهله أو عدم الثقة به، ما قد يدفع الطرف الآخر لاحقاً إلى تكوين انطباع سلبي عنه، فتتحقق التوقعات نتيجة للسلوك الناتج عنها.

وينصح الخبراء القادة بمساعدة الآخرين على مراجعة توقعاتهم الخاطئة بهدوء، مع إدراك أن تغيير المعتقدات الراسخة يحتاج إلى وقت وجهد.

ثالثاً: الوعي بالتوقعات الشخصية

يشير الخبراء إلى أن كل إنسان يقوم بعملية التنبؤ باستمرار بحكم طبيعة عمل الدماغ، سواء كان مدركاً لذلك أم لا. ولذلك فإن مراجعة التوقعات الشخصية والتشكيك في الافتراضات والمعتقدات يعدان خطوة مهمة لفهم الذات واتخاذ قرارات أكثر دقة.

ويؤكد هذا المنظور أن إدراك الإنسان لطريقة عمل دماغه وتوقعاته يمكن أن يساعده على بناء علاقات أفضل، واتخاذ قرارات أكثر توازناً، والقيادة بفعالية أكبر.

شريط الأحداث