الرئيسيةSliderأنقرة عاصمة "المحور الجديد"

أنقرة عاصمة “المحور الجديد”

 | جورج علم |

يطوف الملف اللبناني على عواصم الدول الكبرى، ولا تقلّ محطة أنقرة أهمية عن محطة واشنطن. وأبواب “الأستانة الجديدة” مشرّعة على المستجدات المتزاحمة في الشرق الأوسط. ويتحرك الرئيس رجب طيب أردوغان من موقع المبادر، وكأنه صاحب دور، ويضطلع بمهمة منسقة تنسيقاً جيداً مع نظيره الأميركي دونالد ترامب.

استضافت العاصمة التركية، في السابع والثامن من شهر تموز المنصرم، قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” بحضور الرئيس الأميركي، وعكست المحادثات الثنائية تحسناً في العلاقات بعد سنوات من التوتر بسبب منظومة صواريخ “إس-400” الروسية.

ووعد الرئيس الأميركي نظيره التركي ببرنامج طائرات “إف-35” المتطورة، وإعادة أنقرة إلى برنامج التعاون الدفاعي، وتوفير محركات أميركية للطائرات التركية “كاعان”، مع الاستعداد لإعادة بناء الثقة، رغم استمرار بعض العقبات السياسية.

وحصل ترامب، في المقابل، على تعاون تركي في ملف أمن الطاقة، والممرات البحرية، والهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، وأمن البحر الأسود، والملف الإيراني، وموقع سوريا الجديد. وهذه مواضيع ترتبط جميعها بالموقع الجغرافي الاستراتيجي لأنقرة، وبالسياسات التي تنتهجها في الإقليم.

ولم يغب لبنان، وسوريا، والعراق، والخليج عن المحادثات الأميركية – التركية في ضوء الأحداث المتفاقمة. وتملك تركيا قواعد عسكرية في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، ولها شبكة مصالح واسعة مع هذه الدول، وتربطها بها علاقات متطورة، وهي صاحبة مبادرات، سواء ما يتعلق بقطاع غزة، أو بالتمدد العدواني الإسرائيلي، أو بصراع النفوذ حول مضائق الطاقة وإمداداتها.

ودخل الملف اللبناني إلى “الإضبارة” التركية مدفوعاً بثلاثة عوامل: أولها العلاقات التاريخية، إذ إن لأنقرة نفوذاً معنوياً، حيث لا تزال قرى لبنانية تتحدث اللغة التركية، وتعلّم أبناءها في مدارس تعتمد المنهاج التربوي التركي. وثانيها التغيير الذي حصل في سوريا، والذي يتأثر به لبنان. وأخيراً الصراع الاستراتيجي المحتدم بين إيران، وكل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”، إذ لا يمكن أن تبقى “وريثة الإمبراطورية العثمانية” على الحياد، وفي موقع المتفرج، فيما البراكين المشتعلة تغيّر حدود الجغرافيا وملامح التاريخ.

وكان رئيس وزراء لبنان الدكتور نواف سلام قد بحث، خلال زيارته إلى تركيا، الدعم السياسي والاقتصادي، ومستقبل العلاقات اللبنانية – التركية، ومستقبل مشاريع الطاقة، وارتباط لبنان بقبرص واليونان ضمن ممرات تصدير النفط والغاز إلى أوروبا.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة لأنقرة، التي تنظر بعين الريبة إلى أي ترتيبات تعزز ممرات طاقة تتجاوز الأراضي التركية، وتجعل “إسرائيل” بوابة إلزامية لوصول موارد الشرق الأوسط إلى الأسواق الأوروبية. وهو ما يفسر حرصها على تعزيز حضورها في النقاشات المتعلقة بمستقبل الطاقة في الشرق الأوسط، بالتوازي مع تأكيدها دعم استقرار لبنان، وتوسيع آفاق التعاون الثنائي بين البلدين.

ويستوجب “توسيع آفاق التعاون” توسيعاً في اتجاهين: توسيع الأهداف، وتوسيع الضمانات. وهذا ما يشكل جوهر المحادثات المستمرة بين لبنان والولايات المتحدة من جهة، ولبنان وتركيا من جهة أخرى، بتنسيق وتشاور مستمرين مع عدد من الدول الشقيقة والصديقة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وفرنسا.

إن انتصار منطق الدولة ومنطق السيادة أمر محسوم، إذ لا يمكن أن يكون لبنان شريكاً فاعلاً في المشروع النفطي – الاقتصادي الشرق أوسطي الواسع، إذا لم تكن بيروت العاصمة الفعلية لدولة فعلية تتمتع بسيادة ناجزة. دولة لم تعتدِ على أحد، بل كانت ضحية اعتداءات متواصلة تكالبت عليها. وقد أعلنها ترامب صريحة أمام الرئيس جوزاف عون عندما قال: “إن لبنان أسيئت معاملته، وتضرر لفترة طويلة، وإن الولايات المتحدة ستساعده كثيراً، وتعامله باحترام”.

والمعاملة التي تحدث عنها الرئيس الأميركي تندرج في سياق الحلف الكبير الذي يربط أنقرة بعواصم دول الخليج، مروراً بلبنان وسوريا والعراق.

وما يُبنى على ذلك وجود مؤشرات ومظاهر قد تكون هامشية، لكنها تعكس أبعاداً وخلفيات. أولها ضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة والمخدرات، وقد شهدت الأيام الماضية محاولات ناجحة على الحدود العراقية – السورية، والحدود السورية – اللبنانية، تمثلت في مصادرة “صهريج الصواريخ”، و”السيارة المزروعة بـ250 متفجرة”، إضافة إلى شحنات من المخدرات.

أما المؤشر الثاني، فهو اقتناع الرئيس ترامب بعدم دخول قوات سورية أو تركية إلى البقاع، نزولاً عند طلب الرئيس جوزاف عون، على أن تقوم شبكة تعاون بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لقطع كل الأوردة والشرايين التي تغذي “الدويلات” على حساب الدولة. وقد بدأت الخطوات العملية من خلال القمم التي تستضيفها أنقرة تباعاً، مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والرئيس اللبناني جوزاف عون.

أما المؤشر الثالث، فهو دخول أنقرة بقوة على خط واشنطن لمنع أوكرانيا من التورط في أحداث المنطقة، لأن ذلك سيبرر تدخلاً روسياً مباشراً لدعم إيران.

وكانت كييف قد قصفت ناقلة إيرانية في البحر الأسود، إلا أن الضغوط الدبلوماسية السريعة فرضت على وزير الخارجية الأوكراني تقديم اعتذار علني إلى نظيره الإيراني، في محاولة لاحتواء الموقف قبل أن تتفاقم الأمور وتنزلق نحو الأدهى.

أما المؤشر الرابع، فكان استهداف السعودية من قبل فصائل عراقية مسلحة. وقد ردت الرياض مباشرة على تلك الاعتداءات، بالتعاون مع القوات الأميركية، إلا أن الرد القاطع جاء من تركيا، حيث أبلغت أنقرة واشنطن وعواصم نافذة أخرى بأنها لن تسكت، ولن تبقى على الحياد، إذا ما أصبحت السعودية هدفاً مستمراً.

واستناداً إلى هذه المؤشرات وغيرها، يتقدم المشروع الأمني في المنطقة ليشكل الضمانة للمشروع الاقتصادي – النفطي. وإن ما يسعى إليه ترامب عملياً هو تفكيك المعادلة التي تقول: “لا حل في لبنان والمنطقة إلا بعد حل عقدة إيران، ولا حل لعقدة إيران إلا بعد حل عقدة أوكرانيا، وكسب ثقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

 

شريط الأحداث