الرئيسيةأمن و قضاءمحافظ بعلبك - الهرمل يسطو على صلاحيات البلديات!

محافظ بعلبك – الهرمل يسطو على صلاحيات البلديات!

بقرار يتجاوز صلاحياته، ويكرّس سلطة موازية لا يعرفها القانون، سطا محافظ بعلبك – الهرمل بشير خضر على صلاحيات بلديات يفترض أن تكون صاحبة القرار في نطاقها. القرار الذي يفترض أن يسهّل عمل الجمعيات، تحوّل، وفق شكاوى عدد من البلديات والجمعيات، إلى أداة ضغط وتدخّل في تفاصيل المشاريع وتحديد المستفيدين وآليات التنفيذ، وصولاً إلى محاولة فرض قناة إلزامية تمر عبرها المساعدات والعلاقات بين المجتمع المدني والسلطات المحلية. وبينما يفترض أن تكون البلديات شريكاً أساسياً في تحديد حاجات مناطقها، وجد بعضها نفسه أمام دور جديد يُفرض عليها من خارج الأطر القانونية. فهل نحن أمام إجراء إداري لتنظيم العمل، أم أمام سطوٍ على صلاحيات السلطات المحلية وفرض وصاية جديدة على المجتمع المدني؟ السؤال أساساً برسم وزير الداخلية أحمد الحجار

أصدر محافظ بعلبك – الهرمل بشير خضر في 15 الجاري قراراً كلّف فيه أحد الأشخاص بمهام التنسيق بين المحافظة والجمعيات والمنظمات العاملة ضمن نطاقها، على أن يتولى «متابعة شؤون الجمعيات، والتنسيق معها ومع البلديات، وتسهيل العمل الإداري، ودراسة الحاجات، ومتابعة تنفيذ المشاريع، وإعداد تقارير دورية ورفعها إلى المحافظ».

من الناحية القانونية، يثير القرار سلسلة إشكاليات تبدأ من «اختراع» خضر لمركز وظيفي جديد لشخص لا صفة قانونية له داخل الإدارة العامة، مروراً بالغموض الذي يحيط بطبيعة العلاقة بينه وبين المحافظة، وصولاً إلى غياب آليات واضحة لمساءلته، طالما أنّ قانون الموظفين لا ينطبق عليه، وطالما أن المحافظ لم يتّبع الأصول القانونية لا في «اختراع» المركز، ولا في التكليف، ضارباً بعرض الحائط مبادىء الحوكمة الرشيدة.

ولا تقتصر الإشكاليات على مسألة التكليف بحد ذاتها، بل تمتد إلى طبيعة الدور الذي بدأ يمارسه المكلّف، بعدما تحوّل عملياً من منسّق يفترض أن يسهّل التواصل بين المحافظة والجمعيات والبلديات، إلى حلقة إلزامية تتدخل في تفاصيل العمل التنفيذي، وآليات تنفيذ بعض الأنشطة والمشاريع التي تطرحها الجمعيات.

وقد أبدت جمعيات عدة خشيتها من إمكانية تحويل هذا الموقع إلى أداة للمحاصصة أو الزبائنية، فيما غرف إدارة الكوارث والمجالس البلدية تبقى الجهات الأكثر قدرة على تحديد الأولويات والحاجات، بحكم قربها المباشر من السكان ومعرفتها بأوضاعهم، ناهيك عن شكاوى لجمعيات من تدخل «المنسق» في عملها بما يتجاوز الدور المنوط به، وصولاً إلى التلويح الدائم بمنعها من العمل في حال لم تلتزم بقرار المحافظ.

وبمعزل عن هذه الوقائع، فإن عبارة «التنسيق» الواردة في قرار المحافظ لا تثير إشكالية بحد ذاتها إذا كان المقصود منها تسهيل عمل الجمعيات والمنظمات ضمن نطاق المحافظة. إلا أن مراجع قانونية متخصّصة بشؤون الجمعيات تؤكد أن «شرط التنسيق هو ألّا يؤدي إلى التدخّل في عمل الجمعيات، احتراماً لحريتها المكفولة في الدستور (المادة 13)، والرقابة عليها محصورة بما ورد في قانون الجمعيات (1909)، والقانون المنفّذ بالمرسوم 10830 (عام 1962)، ولا يمكن التوسّع في الرقابة إلى أبعد مما ورد فيهما».

وفي حين يملك المحافظ صلاحية متابعة الأنشطة والمشاريع ضمن نطاق المحافظة، فإن ذلك لا ينتقص من صلاحيات البلديات التي تبقى قائمة ضمن نطاقاتها. ويؤكد قانونيون أن للبلديات الحق في التواصل المباشر مع الجمعيات والمنظمات، لمناقشة مشاريع إغاثية عاجلة أو تنموية، من دون أن يكون هذا التعاون مشروطاً بالمرور الإلزامي عبر شخص كلّفه المحافظ. فالمسار الذي يفرض أن تمر المشاريع أولاً عبر هذا الشخص قبل التواصل مع البلديات يكرّس واقعاً إدارياً غير منصوص عليه قانوناً. وهو نهجٌ ابتدعته وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، عندما منعت خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، المُحافظين والمجالس البلدية من قبول المساعدات مباشرة من الجمعيات من دون موافقتها.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما يصبح هذا الشخص، بحكم قرار المحافظ، المرجع الذي تتواصل عبره البلديات والجمعيات المحلية والدولية والجهات المانحة مع المحافظة. فذلك يؤدي عملياً إلى إنشاء قناة إدارية موازية لا تستند إلى أي نص قانوني، ويجعل شخصاً لا يتمتع بأي صفة وظيفية يمارس دور الوسيط الإلزامي بين الإدارة والسلطات المحلية والمجتمع المدني، وهو أمر لا يعرفه التنظيم الإداري.

ومن زاوية أخرى، فإن تكليف شخص من خارج الإدارة بممارسة هذه المهام يثير إشكالية المساءلة القانونية. ففي حين يخضع الموظف العام لأحكام نظام الموظفين، ويلتزم بواجبات الوظيفة العامة، ومنها المحافظة على السرية، والحياد، والتجرد، والخضوع للسلطة الرئاسية، والمساءلة التأديبية والرقابة الإدارية، فالشخص الذي لا يتمتّع بهذه الصفة لا يخضع لهذه الضمانات، ومع ذلك قد يطّلع بحكم تكليفه على مراسلات رسمية أو ملفات مشاريع أو بيانات تخص البلديات أو الجمعيات أو الجهات المانحة. بما يطرح تساؤلات جدية حول حماية المعلومات الإدارية وحدود المسؤولية عن القرارات أو الأعمال التي قد يشارك فيها.

ولا يغيّر من هذه النتيجة استناد قرار المُحافظ إلى عبارة «مقتضيات المصلحة العامة وحسن سير العمل الإداري»، لأن هذه العبارة لا تصلح بحدّ ذاتها مصدراً مستقلاً للاختصاص، ولا تجيز للمُحافظة تجاوز الحدود التي رسمها القانون.

وكان بالإمكان، إذا كانت المُحافظة ترى ضرورة وجود جهة تنسّق مع الجمعيات والمنظمات، أن تكلّف أحد موظفيها المتخصّصين بهذه المهمة، أو أن تطلب رفد المحافظة بالموارد البشرية اللازمة، أو أن تستعين بمستشار بعقد قانوني يُحدّد طبيعة أعماله الاستشارية، من دون أن يُمارس أي صلاحيات إدارية أو يمثل المحافظة أو يصبح حلقة إلزامية للتواصل مع البلديات والجمعيات، لربطهما بعضهما ببعض.
كما أن القرار لا يُحدّد الطبيعة القانونية للعلاقة بين المحافظة والشخص المكلف. فهو لا يبين ما إذا كان التكليف تطوعياً أو مأجوراً، ولا يحدد مصدر التمويل أو المسؤولية عن النفقات أو التعويضات أو وسائل العمل أو الضمانات أو الالتزامات القانونية. وهذا الغموض يفتح الباب أمام إشكاليات تتعلق بالشفافية المالية، ولا سيما إذا ترتب على ممارسة هذه المهام أي إنفاق عام أو استعمال لموارد الإدارة أو مشاركة في إدارة مشاريع ممولة من جهات مانحة.

وتبرز أيضاً مسألة المسؤولية القانونية، فإذا تسبب الشخص المكلف بضرر للإدارة أو للبلديات أو للجمعيات أو للغير، أو إذا اتخذ موقفاً أو أعطى توجيهاً فمن يتحمل المسؤولية؟ وهل يعدّ ممثلاً للإدارة أم مجرّد متعاون معها؟ وهل تخضع أعماله لرقابة المحافظ أم لرقابة القضاء الإداري وحدها؟ وهنا يعتبر قانونيون أنّ «غياب تحديد المركز القانوني للمكلف يجعل تحديد المسؤولية أمراً معقداً، ويضعف حماية الإدارة والمتعاملين معها».

تمتد إشكاليات قرار خضر، إلى مسائل تتّصل بالحوكمة الرشيدة، وتضارب المصالح، والشفافية، والمساءلة، وحماية المال العام، وسلامة الإدارة العامة. فالقرار بمنحه شخصاً من خارج الإدارة موقعاً محورياً في العلاقة بين المحافظة والبلديات والجمعيات والمنظمات المحلية والدولية والجهات المانحة، من دون أن يكون خاضعاً للضمانات القانونية ولا لنظام رقابة ومحاسبة يلزمه بمجموعة من القيود التي تحكم عمل الموظف العام، يُثير تساؤلات جدّية حول مدى توافق تكليفه مع مبادئ الإدارة الحديثة. ويكتسب الأمر أهمية خاصة إذا كان الشخص المكلف يمارس في الوقت نفسه نشاطاً اجتماعياً أو اقتصادياً أو يرتبط بجمعيات أو متعهدين. ففي هذه الحال، قد ينشأ تضارب مصالح فعلي أو محتمل، لأن الشخص الذي ينسق بين الإدارة وهذه الجهات قد يصبح في موقع يسمح له بالتأثير في تحديد الأولويات أو تسهيل مشاريع معينة أو إعطاء أفضلية لجهة دون أخرى.

قرار بشير خضر قابل للطعن

جوهر الإشكالية يكمن في أنّ الإدارة العامة وحوكمتها الرشيدة لا تُبنى على الثقة الشخصية، بل على الصفة القانونية، لأن ممارسة الاختصاص الإداري ليست امتيازاً تمنحه السلطة (المُحافظ) لمن تشاء. ومن هنا، فإنّ القانونيين يحسمون أنّ «قرار خضر قابل للطعن، انطلاقاً من أنّه أسند أعمالاً تدخل في صميم الوظيفة العامة إلى شخص لا يتمتع بهذه الصفة، وبالتالي فيه تجاوز لحدود الاختصاص ومخالفته مبادئ المشروعية، وحصرية ممارسة الوظيفة العامة، وخضوع الإدارة للقانون، التي يقوم عليها التنظيم الإداري».

وفق مراجع قانونية، «يُثير القرار إشكاليات قانونية تتجاوز مجرّد تعيين منسّق أو تكليف شخص بمتابعة ملف معين، لتلامس أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الإداري، وهو مبدأ شرعية الإدارة وحصرية ممارسة الوظيفة العامة من قبل أشخاص يتمتعون بصفة قانونية داخل الإدارة العامة».

فالقرار يستند إلى المرسوم رقم 116 تاريخ 12/6/1959 (التنظيم الإداري)، فضلاً عن مقتضيات حسن سير العمل الإداري. غير أن هذه النصوص، وإن كانت تخوّل المحافظ إدارة شؤون المحافظة، فـ«إنّها لا تمنحه سلطة إنشاء مراكز وظيفية جديدة، إذ إنّ إنشاء الوظائف العامة أو تعديل التنظيم الإداري أو استحداث وحدات إدارية لا يتم بقرار يصدر عن المحافظ، وإنما يخضع لأحكام المرسوم ( 116/1959)، ويستلزم صدور النصوص القانونية أو التنظيمية المتخصّصة، انطلاقاً من أنّ السلطة التنظيمية لا تملكها الإدارة المحلية منفردة».

كما أنّ المُحافظ «أسند مهام إدارية إلى شخصٍ لا تربطه بالإدارة العامة أي علاقة قانونية، في حين أنّ الوظيفة العامة، لا تُمارس إلا عبر موظفين أو مستخدمين أو متعاقدين اكتسبوا صفتهم القانونية وفق الأصول التي حددها القانون، مثل المرور بمجلس الخدمة المدنية ومجلس الوزراء، وإلا يعدّ التكليف خروجاً على مبدأ المشروعية الذي يحكم عمل الإدارة».

وبالعودة إلى مضمون القرار، يتبين أن المهام المُسندة إلى الشخص المكلّف لا تقتصر على دور استشاري أو تقني، وإنما تشمل متابعة شؤون الجمعيات العاملة ضمن نطاق المحافظة، والتنسيق مع البلديات، وتسهيل العمل الإداري، ودراسة الحاجات، ومتابعة تنفيذ المشاريع، وإعداد تقارير دورية ورفعها إلى المحافظ. وهذه المهام تمثل أعمالاً إدارية تنفيذية تدخل ضمن اختصاص أجهزة المحافظة وموظفيها، ووفق القانونيين «لا يجوز نقلها إلى شخص من خارج الملاك أو من خارج الإدارة العامة».

شريط الأحداث