| زينة أرزوني |
في الشرق الأوسط، حيث لا شيء اسمه عداوة كاملة ولا صداقة كاملة، يمكن للعدو أن يصبح شريكاً اقتصادياً، وللحليف أن يتحول إلى خصم إعلامي في نشرات الأخبار المسائية. لذلك، فإن قراءة التوتر بين “إسرائيل” وتركيا باعتباره “حرب كراهية” بين طرفين متخاصمين قد تكون أقرب إلى مشاهدة المسرحية من مقاعد الجمهور، لا إلى فهم ما يجري خلف الكواليس.
صحيح أن “حرب المنابر” قد اشتعلت بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأن المؤشرات تدل على أن الحرب الإسرائيلية المقبلة قد تكون ضد تركيا للحد من نفوذها في سوريا والمنطقة.
لكن لا يمكن نسيان أن تركيا لم تقف في وجه الدبابات الإسرائيلية ليلة سقوط النظام السابق في سوريا، ولم تعمل على الحد من الضربات الإسرائيلية ضد الجيش السوري، كما أن أردوغان لم “يشمّر” عن ساعديه للدفاع عن طهران حباً بها، بل لأنه استشعر أن “البل سيصل إلى ذقنه”. ولكن لفهم كيفية استغلال كل من أنقرة وتل أبيب هذه الحرب الإعلامية و”الضوضاء الكلامية” لسحب البساط من تحت أقدام إيران، لا بد من استعراض الآتي:
تركيا ليست الدولة التي اكتشفت “إسرائيل” أمس، فهي أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بـ”إسرائيل” عام 1949، وأقامت معها علاقات دبلوماسية وأمنية واقتصادية لعقود طويلة. وكانت هناك أيام لم تكن الطائرات الإسرائيلية تغادر الأجواء التركية إلا وهي تحمل معها ملفات تعاون عسكري، قبل أن تتحول الصورة لاحقاً إلى تبادل اتهامات وتصريحات نارية.
طبعاً، ليست المرة الأولى التي تُطلق فيها مثل هذه التصريحات على لسان أردوغان. في منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا عام 2009، احتج أردوغان على مداخلة مطولة للرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز بشأن الهجوم الإسرائيلي على غزة، ووصفه حينها بـ”قاتل الأطفال”، وانسحب من المنتدى. يومها وصف العرب أردوغان بالبطل، لكن سرعان ما تبيّن أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تهتزّ!
ومن المعروف أنه في السياسة لا توجد صداقات أبدية، بل مصالح أبدية. والمشكلة بين تركيا و”إسرائيل” ليست وجود “إسرائيل” بحد ذاته، لأن تركيا لم تبنِ سياستها تاريخياً على رفض وجودها، بل إن الخلاف الحقيقي يتعلق بالسؤال الأكثر أهمية: من يريد أن يكون صاحب الكلمة العليا في الشرق الأوسط؟
تريد “إسرائيل” أن يكون أمنها القومي القاعدة التي تُبنى عليها حسابات الجميع، من واشنطن إلى حلف “الناتو”، وصولاً إلى دول المنطقة. وكأن الرسالة الإسرائيلية غير المكتوبة تقول: “نحن أعضاء في النادي، لكن قواعده تُكتب في تل أبيب”. وهنا تحديداً تبدأ الحساسية التركية.
وتركيا، رغم عضويتها في “الناتو”، لا ترى نفسها موظفاً في مكتب المصالح الإسرائيلية، ولا دولة مهمتها تنفيذ التعليمات، فهي تريد مقعد الشريك لا التابع، وتريد أن تكون عضواً كاملاً في الحلف، لا مجرد دولة يُطلب منها التصفيق عندما تبدأ المؤتمرات الصحافية.
ومن هنا يمكن فهم ما يسمى بـ”التصعيد الإسرائيلي” ضد الرئيس التركي، والذي يشبه لعبة شطرنج سياسية؛ فـ”إسرائيل” تهاجم أردوغان إعلامياً، وأردوغان يرفع سقف خطابه ضدها، لكن خلف الستار توجد شبكة مصالح تجعل الصدام الكامل بين الطرفين أمراً غير منطقي، خصوصاً أن العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب، وعضوية تركيا في “الناتو”، تشكل سقفاً لا يمكن القفز فوقه بسهولة.
والمفاجأة التي يتحمس لها البعض أن أردوغان لم يدخل فقط على خط الخلاف مع “إسرائيل”، بل دخل أيضاً على خط معركة أكبر، وهي: من يمثّل فلسطين في الوعي الإسلامي؟ وهنا تظهر إيران في قلب المشهد.
استطاعت إيران خلال العقود الماضية بناء صورة لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الإسلامي باعتبارها لاعباً رئيسياً في مواجهة “إسرائيل”، عبر دعمها لفصائل فلسطينية وحركات المقاومة، وتمسكها بخطاب سياسي يضع فلسطين في صلب مشروعها الإقليمي. وبينما كانت بعض الدول تكتفي بإصدار بيانات “شديدة اللهجة” خلال القمم العربية، ثم تعود إلى جدول الأعمال وكأن شيئاً لم يحدث، اختارت إيران دفع كلفة سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة بسبب هذا الملف. وسواء اختلف معها البعض أم اتفق، فإن هذا الموقف منحها رصيداً رمزياً تجاوز حدود المذاهب.
لكن دخول أردوغان إلى هذا الملعب قلب الحسابات؛ فوجود زعيم سني ذي حضور جماهيري واسع يتبنى خطاباً حاداً تجاه “إسرائيل” يعني أن إيران لم تعد اللاعب الوحيد الذي يمتلك ورقة “المقاومة”. وهنا تصبح المعركة ليست فقط بين “إسرائيل” وتركيا، بل أيضاً حول من يمتلك الصورة الأقوى في الشارع الإسلامي.قد يسأل البعض، بشيء من الاستغراب: ما علاقة “الناتو” بتركيا و”إسرائيل”؟ وما علاقة كل ذلك بإيران؟ الإجابة ببساطة هي أن السياسة في الشرق الأوسط تعمل وفق شبكة مصالح متداخلة، لا وفق ملفات منفصلة.
ووفقاً للغة المصالح الباردة، فإن “إسرائيل” لا تترك فراغاً سياسياً يمر من دون محاولة استثماره. فالانقسامات الإقليمية بالنسبة إليها ليست مجرد مشكلة، بل تتحول أحياناً إلى أدوات في لعبة النفوذ. فكلما بقي الانقسام المذهبي قائماً، بقيت معركة “من يمثل فلسطين؟” مفتوحة، وكلما دخل لاعب جديد إلى الملعب اختلطت الحسابات.
ولذلك، فإن استهداف أردوغان إعلامياً قد لا يكون هدفه فقط مهاجمة تركيا، بل قد يحمل وظيفة أخرى تريدها “إسرائيل”، وهي سحب البساط من تحت أقدام إيران، عبر تقديم منافس يمتلك القدرة على مخاطبة جمهور يُخاصم طهران، وبعضه يعتبرها عدواً له، حتى إن هناك من روّج أن إيران استغلت القضية الفلسطينية لحسابات خاصة بها، ولفرض نفوذها.
وهنا تدخل الحسابات المذهبية التي لم تغادر المنطقة رغم كل محاولات تجاوزها. فالشرق الأوسط ما زال يحمل آثار حروب العراق وسوريا واليمن، وما زالت قطاعات واسعة من السنّة تنظر إلى إيران من خلال هذه الملفات، حتى لو اعترفت بدورها في مواجهة “إسرائيل” ودعم القضية الفلسطينية.
أما “إسرائيل”، التي تجيد قراءة خرائط الانقسام أكثر مما تجيد قراءة خرائط الجغرافيا، فهي تدرك أن النفوذ لا يُبنى فقط بالطائرات والدبابات، بل أيضاً بصناعة الرموز.
فعندما يتحول السؤال من “من يملك القوة؟” إلى “من هو صلاح الدين الجديد؟”، تنتقل المعركة من ساحات القتال إلى ساحات الوعي. وانطلاقاً من ذلك، لا تمانع “إسرائيل” في إظهار أردوغان على أنه “هرقل العرب والمسلمين”، طالما أنه في النهاية سيخدم مصالحها عند نقطة التقاء معينة.
لكن، بعيداً عن الحماسة الإعلامية، تعرف أنقرة جيداً حدود اللعبة، فتركيا لا تبحث عن مواجهة عسكرية مباشرة مع “إسرائيل”، لأن أردوغان، مهما رفع سقف خطابه، يدرك أن السياسة ليست منصة خطابات فقط، وأن القوة الحقيقية تعني معرفة متى تتحرك ومتى تتراجع.
لذلك تبقى المواجهة بين تركيا و”إسرائيل” أقرب إلى حرب نفوذ وصور ورسائل، أكثر من كونها استعداداً لحرب مفتوحة.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، بل أيضاً على من يملك رواية المنطقة في المرحلة المقبلة.


