| جورج علم |
البحر واحد، والشطآن متصلة. وبين بيروت وأنقرة مسافة من الجغرافيا والتاريخ، وعلاقات أرخت تبعاتها على صفحات الزمن. ومن ينبش في خبايا الأمس القريب، يكتشف مساراً دشّنه رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام مع الزعيم التركي الرئيس رجب طيب أردوغان، برعاية أميركية حتماً.
لا يمكن بناء جسر بين لبنان وقبرص عنوانه النفط، وترسيم الحدود البحرية، وتحديد خطوط الطول والعرض لأحواض الطاقة، قبل ترسيم الحدود البحرية مع سوريا، واستطراداً مع تركيا في البحر المتوسط.
هذه حتمية قائمة بحكم الجيرة، والموقع، وترابط المصالح، والتوازنات الجديدة في الشرق الأوسط.
ولا تكون معالجتها بالخطابات الشعبوية، أو التمنيات التي لا تطعم خبزاً، ولا تسد جوعاً، بل بالانخراط الجدي، المسؤول، والملتزم بالقانون الدولي من جهة، وبالحوار المسؤول والهادف إلى قيام حسن جوار محوره التكافل والتكامل في شبكة المصالح.
تغيّر الوضع في سوريا، ويدور الكلام في الأندية الدبلوماسية العليا عن سوريا الحديثة المستندة إلى “ترويكا” قادرة ومتمكنة، قوامها تركيا، السند الأول للنظام، والمملكة العربية السعودية، الداعمة والمؤازرة، والولايات المتحدة الأميركية، التي أقدمت على رفع العقوبات، وباشرت بإرساء أسس جديدة قائمة على الأمن والاستقرار، لتوفير البيئة الملائمة للشركات الأميركية.
أن يبادر الرئيس دونالد ترامب إلى عقد أربع قمم مع الرئيس أحمد الشرع، منذ وصول الأخير إلى سدة الحكم، يشكل مؤشراً إلى مسار جديد طويل الأمد، من أركانه الأمن والاستقرار، ومن أهدافه فورة اقتصادية وعمرانية يكون للشركات والمؤسسات الأميركية فيها النصيب الوافر.
وليس من باب المصادفة أن يزور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بيروت، قبيل توجه الرئيس الشرع إلى أنقرة للتشاور مع الرئيس ترامب.
وليست “قارئة الفنجان” هي من أوحى للرئيس نواف سلام بزيارة العاصمة التركية، بعد يوم واحد من انتهاء أعمال قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، التي شارك فيها الرئيس ترامب بحماس وحيوية أسهما في تكريس المصالحة مع دول الحلف.
لقد تمخضت قمة “الناتو” عن أربعة عناوين:
- تفعيل خطط الاتفاق الدفاعي بين الدول الأعضاء.
- الدعم العسكري لأوكرانيا.
- التطورات المتعلقة بالتوترات مع إيران.
- المسار الاقتصادي – الإنمائي في الشرق الأوسط، بديلاً من مسار الاحتلالات والخراب والدمار.
كان البند الأخير البند الأول على جدول أعمال الرئيس الأميركي. فهو يريد استبدال القوات العسكرية المنتشرة في العراق وسوريا بشركات أميركية تضخ الدولارات في الخزينة الأم، ويكون لها الدور الأول في استبدال الجدران المتصدعة بأبراج عالية منيعة ومنتجة، وقادرة على تغيير أحوال المنطقة اقتصادياً، واجتماعياً، ومعيشياً.
لقد وضع الشرع إصبعه على الجرح. وأقنع ترامب بأنه لا قيامة لسوريا قوية، موحدة، مستقرة، وقادرة على طي صفحة الماضي والتأقلم مع المستجدات، إلا بانسحاب “إسرائيل”.
واستناداً إلى موقع “أكسيوس” الأميركي، بادر ترامب، فور انتهاء اللقاء، إلى مطالبة نتنياهو بـ”البدء بسحب القوات الإسرائيلية من سوريا ولبنان”.
وأكد له: “إن الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية يثير التوترات، وقد يقود إلى تصعيد. إنهم لا يريدون وجودكم هناك، وينبغي لكم إعادة نشر قواتكم خارج الأراضي السورية واللبنانية”.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد تفاهم مع ترامب حول “استراتيجية اقتصادية، رؤيوية، شاملة، بديلاً من استراتيجية الحروب التي لا تنتهي في المنطقة”.
المعادلة صعبة ومعقدة، لكن، استناداً إلى الطرح التركي، لا بد من نقطة انطلاق لوقف المسار التدميري، الذي لا يوفر أمناً ولا أماناً، بل مزيداً من برك الدم، ومساحات الدمار، واليأس، والإحباط.
وتحت ظلال هذه “القناطر”، تمت زيارة سلام إلى أنقرة، انطلاقاً من أن النفوذ التركي بدأ يتمدد أفقياً وعمودياً في سوريا، لدعم حكومة الشرع بالتنسيق والتفاهم مع المملكة العربية السعودية، ومصر، والإدارة الأميركية. وإذا كان لا بد من نسج علاقات سوية مع دمشق، شفافة، قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، فلا بد من الدخول من الباب العريض، ونسج شبكة مصالح وتفاهمات مع “الوسيط” التركي، توازي تلك التي تُنسج مع “الوسيط” الأميركي.
وللوصول إلى الباب العريض، ينبغي تخطي أربعة حواجز:
أولاً: التنسيق الأمني.
لقد توافق الرئيسان أردوغان وترامب على أن الاستقرار هو المدخل إلى الاستثمار والازدهار، وهذا لن يتوافر في ظل الهيمنة الإسرائيلية. ولا بد من تصحيح المسار، والاستعاضة عن قوة السلاح بقوة الاستقرار، لإطلاق ورشة الإعمار.
ثانياً: التنسيق النفطي.
هناك ورشة متكاملة تبدأ من العراق، مروراً بسوريا ولبنان، وتنتهي بتزويد الغرب بالمشتقات النفطية.
إن محادثات رئيس وزراء العراق علي الزيدي مع ترامب في المكتب البيضاوي شملت تفعيل خطوط الإمداد التي تنقل النفط العراقي إلى مصافي طرطوس، وبانياس، وطرابلس. وإن الحكومة اللبنانية، التي تسعى إلى الانخراط في علاقة حسن جوار مع سوريا وتركيا، عليها إبرام تفاهمات حول حقول النفط والغاز في البحر المتوسط، على غرار التفاهمات التي تمت مع قبرص.
ثالثاً: الانخراط في “الورشة الكبرى” للإعمار.
لا يرى لبنان خياراً متاحاً لإعادة إعمار ما دمره الإسرائيلي، إلا بالانخراط المنسق مع خطة “مارشال” خليجية – إقليمية – دولية لإعادة إعمار سوريا، مدعومة من السعودية ودول الخليج، مروراً بتركيا إلى أوروبا، وصولاً إلى البيت الأبيض.
رابعاً: الالتحاق بالقطار الاقتصادي الحديث، الذي ينطلق من أنقرة، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان، وصولاً إلى الخليج، وربما إلى ما هو أبعد، إذا ما غيّرت بعض الدول سلوكها العدواني التمددي.
لقد تمكن الرئيس سلام من دخول “المجمع الرئاسي” التركي من “الباب العالي”، لكن المسافة لا تزال طويلة وشاقة للخروج من السجن الإسرائيلي – الإيراني، والالتحاق بمسيرة الاستقرار وإعادة الإعمار.



