| عزات جمال |
أنطلق في رسالتي من حقيقةٍ مفادها أن ما لم يُوثَّق من الجرائم، وما لم يُرصَد من الاعتداءات والانتهاكات، أكبر بكثير مما يُكشف عنه وتشاهدونه، سواء عبر العمل الصحفي والإعلامي الرسمي الذي يعاني كثرة الملاحقة والاستهداف، أو من خلال توثيق الأفراد لما عايشوه من تجارب شخصية، وما عاينوه من قصص إنسانية ومآسٍ وحكايات قاسية.
وهنا أتذكر ما عشته في أوج الحرب على غزة، وفي بدايات الاجتياح البري، وقد تزاحم الناس حول المستشفيات والمدارس يلتمسون الأمان ويبتغون الطمأنينة، في ظل تصاعد الغارات والاستهدافات التي طالت الأحياء السكنية، فسوتها بالأرض بعدما كانت زاخرة تعج بكل أشكال الحياة.
وفي هذا الصدد، أتذكر كم مرة اضطررنا إلى النزوح مجبرين تحت وطأة القصف العشوائي والجوع، من مكان إلى آخر، بحثاً عن الأمان لعلنا نجده. كنا نسير مسافات طويلة بصحبة عشرات العائلات، وننام في العراء وعلى قارعة الطرق، نحمل ما خف من متاعنا، ونترك وراءنا بيوتاً لا نعلم إن كنا سنعود إليها يوماً.
لقد غابت هذه المشاهد، بل غُيِّبت عن مرأى العالم ومسمعه، وغُيِّبت معها الآلام وألوان المعاناة.
لقد جُبنا الأماكن أياماً وأسابيع، وخاطرنا بحياتنا مراراً وتكراراً لنحصل على شيءٍ من الطعام، وبكل أسف كنا نعود بخفي حنين. عشنا الجوع شهوراً طويلة، واضطررنا إلى أكل شوربات خفيفة، ونباتات وأعشاب، أياماً متتابعة، لعلها تمنحنا شيئاً من القوة على احتمال الجوع الذي بات يؤرقنا، ويُضعف أجسادنا، ويكوي بطون الصغار والكبار.
وأذكر جيداً كم كانت السعادة التي ارتسمت على وجه طفلي الصغير عندما علم بأنني استطعت أن أشتري كيلوغراماً من الطحين، بعد أشهر من نفاد الخبز. وقد وقف ينظر إلى والدته ويسألها بصوتٍ خافت: “متى سنأكل خبزاً؟ وكم يصنع الكيلو من الأرغفة؟ وما نصيب كل واحد منا؟ ومتى سيأتي الصباح لنخبز الطحين؟”. لم يكن يطلب لعبة، ولا قطعة حلوى، ولا ثوباً جديداً، بل كان يحلم بمجرد رغيف خبز من دون إضافات. بقيت هذه الأسئلة ماثلة أمامي، لأنها اختصرت حجم المأساة التي كنا نعيشها.
لقد عشنا أياماً كان يتمنى فيها صغارنا حبة حلوى، أو قطعة بسكويت، أو حبة طماطم، أو بيضة. وعلى مدى شهور، لم نعرف للطعام والشراب مذاقاً. وكل ما استطعنا توفيره، وبأسعار خيالية، كان الأرز والعدس والفاصولياء وعلب الفول والبازيلاء، فكنا نطهوها جميعاً على هيئة شوربات، ونكتفي بوجبة واحدة في اليوم. وكان محظوظاً من استطاع توفيرها لعائلته.
لقد وصل سعر الكيلوغرام الواحد من الأرز إلى نحو (200) شيكل، أي ما يزيد على (50) دولاراً، بينما تجاوز سعر كيلوغرام العدس الأصفر والفاصولياء (10) دولارات، وتراوح سعر كيلوغرام الطحين بين (12) و(15) دولاراً.
كانت المأساة أكبر من أن تُختصر في صورة أو كلمات. خسرنا من أوزاننا ما لم نتوقع أن نخسره يوماً، ومع ذلك لم تتوقف الاستهدافات عن ملاحقتنا.
أذكر كم كنا نصل إلى لحظات تضيق علينا فيها الدنيا بما رحبت، ونحن غارقون في التفكير.
ماذا عسانا أن نفعل؟
وإلى أي مكان يمكننا أن نذهب؟
وكيف سنتدبر أمورنا؟
عشرات الأسئلة كانت تتلاطم في عقولنا كأمواجٍ عاتية يقذفها البحر في يومٍ عاصف، ومع كل ذلك لم تكن الغارات والأحزمة النارية تتوقف.
وهنا لا أذكر ذلك على سبيل المجاز، بل هو واقع شديد القسوة والتعقيد بكل تفاصيله.
لا اتصالات.
لا أخبار.
لا غذاء.
لا ماء.
لا مأوى.
أنت ومن معك تنتظرون معجزة… فقد أُغلقت كل الطرق، وأُوصدت جميع الأبواب.
لقد انقطعنا عن العالم في شمال غزة زهاء أربعين يوماً، في ذروة العدوان البري، ومع عودة شبكة الاتصالات استطعنا أن نطمئن إلى بعضنا بعضاً ونتواصل. وكانت من أصعب اللحظات أن تعيش خارج العالم؛ في مساحة هندسها الاحتلال الإسرائيلي لتكون “مقابر للأحياء”، سعياً منه إلى دفع الناس نحو الهجرة إلى المجهول.
أن تعيش في اللامكان، من دون أن يكون لك وجود…
لا خبر.
لا صوت.
ما الذي يثبت أنك ما زلت حياً؟
حتى أبسط حقوقك الإنسانية أصبحت محرومًا منها.
ثم يُراد منك ألا تنهزم أمام كل هذه الفواجع المجتمعة والانتهاكات المتواصلة.
لقد كانت تجربة شديدة القسوة.
صحيح أن الله كتب لنا النجاة من هذه الإبادة، لكن النجاة لم تكن نهاية الحكاية. خرجنا نحمل معنا حرباً أخرى لا تُرى؛ فما زالت ذاكرة الجوع تطاردنا، وما زال الخوف يسكن قلوب الصغار والنساء، وما زال كل انقطاع للاتصالات يعيدنا إلى تلك الأيام التي شعرنا فيها أننا خرجنا من العالم، وأن أحداً لا يعلم إن كنا أحياء أم في عداد المفقودين.
وما صدمنا لاحقاً كان أشد وطأة وأعمق أثراً؛ فقد مرت جراحنا ومعاناتنا، والإبادة التي تعرضنا لها، مرور الكرام. ومع مرور الوقت خفتت الأصوات، وانشغل العالم بقضايا أخرى، وتُركت غزة محاصرة تصارع الوحوش وحدها.
أكتب هذه الرسالة، ليس لأنني أخشى أن أنسى، بل لأنني أخشى أن ينسى العالم. فالذاكرة آخر ما نملك، وإذا ضاعت الحكايات، ماتت الحقيقة مرتين.



