| جورج علم |
يعود البطريرك الياس الحويك إلى عالمنا ليتفقد “لبنان الكبير”.
بدأت ورش الاستقبال عملها. ارتفعت صوره في العديد من مناطق الشمال. انطلقت الترتيبات في الديمان، المقر الصيفي للبطريركية المارونية. وحدد موعد التكريم في الخامس والعشرين من الجاري، وتبدأ عند الخامسة مساءً مراسم التطويب برئاسة البطريرك الكاردينال بشارة الراعي، ومشاركة الموفد البابوي الكاردينال سيميرارو، رئيس مجمع دعاوى القديسين في الكرسي الرسولي.
مهابة الاحتفال تكمن في جوهره لا في مظهره. والذي بادر إلى هذا التكريم، وخطط، وأنجز الوثائق، ورتب المستلزمات وآليات المراسم، كان لمّاحًا في اختيار التوقيت، كونه مهمًّا، ويختصر هواجس اللبنانيين حول مصير الكيان، بين قائل إن الشمس قد غابت وراء المنحنى إيذانًا ببدء ليل طويل دامس الظلمة، وقائل إن الشروق على موعد حتمي مع فجر جديد وانبلاج واعد.
يتزامن حدث التطويب مع متغيرات مصيرية في المنطقة؛ من اجتياح لخرائط سايكس – بيكو، إلى انتهاك لسيادات الدول، إلى طمس للحدود، وتلاعب بالجغرافيات، إلى انقلاب على الأنظمة والقوانين الدولية، واعتماد القوة بديلًا لفرض أمر واقع لا نعرفه، ولا نعرف ما ستؤول إليه الأمور، وماذا سيبقى لدى الإنسان الحاكم من إنسانية.
هذا الأسقف المكرّس طوباويًا، سماه المؤرخ الخوري أنطوان الدويهي “رجل العظائم”، وسماه البطريرك الكاردينال بشارة الراعي “بطريرك الاستقلال ولبنان الكبير”.
ويعود إلى عالمنا بعد عقود مديدة من الزمن، ليتفقد الرعية، وأحوال البقعة الجغرافية التي ناضل من أجلها كي تتحول إلى وطن الحرية، والانفتاح، والتفاعل الحضاري.
قد فاته الكثير، ربما. وربما كان على دراية بتبدل الأحوال والظروف. كان من المؤمنين بأن الولاء الوطني، كالعشق، إن لم ينبع من عمق المشاعر الجياشة، يبقى مجرد تأوهات في سراب. وسراب الوطن مديد، تكفيه المعاصي التي ترتكب باسمه، ومن أبناء جلدته وأعوانهم، حتى تحول إلى ورقة ابتزاز يستغلها الأقوياء لتحسين دفتر شروطهم، وتعزيز حضورهم حول طاولة الشطرنج لتقاسم مواقع النفوذ على خريطة الشرق الأوسط.
يزورنا هذا الأسقف، وبهذه المناسبة، ليذكرنا بـ10,452 كيلومترًا مربعًا، وليؤكد الثوابت الوطنية التي ناضل من أجلها. إنه ضد كل احتواء، واجتزاء، وتشطير، وتقسيم، وتفتيت. لكن الصخر الذي نحته يومًا، وحول غباره إلى تربة فوارة بالسنابل، قد حاصره الشؤم، واستباحته الأنانية، واستوطنته الكيديات، وتلاعبت بمقدراته العصبيات، وانصبغت أجاجين قانا بالأحمر القاني من عروق الأطفال، واستباح الإسرائيلي مشاتل العز، ومنازل الكرامة، وهجر، ودمر، وعربد، وتصحرّت العاصمة من رخائها ورفاهيتها، وحنّ السهل إلى مواسم الكرم والعطاء، وانكفأ الجبل أمام الرياح العاتية التي تحمل غبار الثورة، والتوسع، وحب الاستيطان على الشطآن الممتدة من بحر صور إلى بحر الضاحية، ومن رمال الناقورة إلى الرملة البيضاء.
لا يغيب الوجع عن أفياء المناسبة، ولا يخرس الألم رغم نغم التكريم. وقد عربش الشهداء على سلم الأرقام، فإذا بالعدد يتخطى الآلاف، ومثله في صفوف الجرحى والمصابين. ولا تقوى الجدران المتصدعة على تحمل المداميك الشاهقة، ولا يصلح اعتمادها أساسات متينة يُبنى عليها حلم لبنان الآتي من وجع الناس. لا بد من أمل، ومن يقظة ضمير، ومن فرملة فجائية تهدئ من جنون هذه الاندفاعة المخيفة على منحدرات الانتحار.
هل يأتي البطريرك المكرّم ليشهد للحق، أم ليودع لبنان الذي أراده يومًا كبيرًا، مستقلًا، متعايشًا، مؤمنًا بحريته، وسيادته، وخصائصه، وفرادته، ونكهته، وتنوعه، وعيشه المشترك؟
إن الاحتفال بتطويبه، وفي زحمة هذا المنعطف المصيري، يحمل علامات أمل ورجاء، ويؤكد أن لبنان غير منسي، وغير متروك، وأن دولًا شقيقة وصديقة تراهن على ديمومته، وتقوم بالعديد من المبادرات الهادفة إلى إنقاذه، وتقدم العديد من عبوات الأوكسجين لضمان سريان العافية في عروقه.
وليس الفاتيكان ببعيد عن هذه المناسبة. إنه المقرر، والمدبر، وراصد التوقيت، ومدون الرسالة التي يريد إيصالها حتى آخر صقع من أصقاع الأرض، وآخر قائد من قادة النفوذ، بدءًا من دونالد ترامب، إلى بنيامين نتنياهو، إلى القيادة الإيرانية، إلى الدول الكبرى التي لا ترى مهبطًا لمصالحها في الشرق الأوسط أفضل من المهبط اللبناني الاستراتيجي من حيث موقعه، والمتنوع من حيث ثقافته.
ومنذ الزيارة الأولى التي خص بها لبنان، لا يتوانى البابا لاون الرابع عشر عن تفعيل الدبلوماسية الفاتيكانية لدى عواصم الدول القادرة والمؤثرة لحماية الوطن الصغير من أطماع الكبار، وشراهة الثعالب المتضورة. وكم هي كثيرة ومتطلبة!
إن القنوات المفتوحة بين الكرسي الرسولي والبيت الأبيض، تضع قضية لبنان في صلب الأولويات، والدليل المحادثات التي أجراها مؤخرًا وزير الخارجية ماركو روبيو مع كبار المسؤولين الفاتيكانيين، وقد شملت لبنان، وخريطة الطريق المتصلة بمساره ومصيره. وما الدعوة إلى تكريم بطريرك “لبنان الكبير”، وفي هذا التوقيت المزدحم بالاستحقاقات وتنوع الخيارات، إلا بارقة أمل بأن المبضع، سواء أكان إسرائيليًا أم “ثوريًا”، قد يجرح ويحدث ندوبًا، ولكنه لن يتمكن من التشطير، والبتر، والتقسيم، والتفتيت. الصيغة قوية رغم مظاهر ضعفها، والتعددية الثقافية حاجة إنسانية كونية لمواجهة ثقافة الانغلاق و”التوحش”. ويكفي أن الفاتيكان قال كلمته في زمن مضى، عندما أعلن البابا القديس يوحنا بولس الثاني أن “لبنان أسمى من وطن.. إنه رسالة.”







