أثبت أسبوع الموضة للأزياء الراقية في باريس لموسم خريف وشتاء 2026-2027 أن الكوتور لا يزال الحصن الأخير للإبداع البشري الخالص، بعدما تجاوز المصممون هذا الموسم دورهم التقليدي كصنّاع أزياء فاخرة، ليتحولوا إلى أمناء متاحف ومخرجين مسرحيين وروائيين، في حوار بصري وفكري عميق مع الفن والنحت والأدب.
شانيل: ماتيو بلازي ينسج عالماً من الحكايات الخيالية
قدّم المصمم ماتيو بلازي، في تجربته الجديدة كمدير فني لدار شانيل، مجموعة مستوحاة من عالم القصص الخيالية، جسّد فيها أجواء رومانسية حالمة امتدت من النباتات المتسلقة إلى الأحذية ذات الكعوب المستوحاة من ساق الفاصولياء السحرية، وصولاً إلى تفاصيل مستوحاة من كنوز طائر العقعق البرّاقة.
وافتُتح العرض بعارضة أزياء تحمل كتاباً جلدياً عتيقاً للقصص الخيالية يعود إلى قرن من الزمن، وكان ملكاً لمؤسسة الدار كوكو شانيل، وسط موسيقى تصويرية مزجت بين مقتطفات من فيلم “The Lord of the Rings” وأغنية “Kiss Me” الشهيرة لفرقة “Sixpence None The Richer”.
وضمت المجموعة إشارات إلى قصص عالمية مثل “الجميلة والوحش”، و”الإوزة الذهبية”، و”بحيرة البجع”، و”سنو وايت”، و”الأميرة وحبة البازلاء”، إلا أن بلازي ابتعد عن النهاية التقليدية للحكايات، مستلهماً من حياة غابرييل شانيل والأميرة ديانا، ليختتم العرض بفستان أسود يؤكد أن المرأة التي يصمم لها لا تنتظر من ينقذها، بل تكتب قصتها بنفسها.
سكياباريلي: دانيال روزبيري يحتفي بسحر المجهول
أما دار سكياباريلي، فقدّم مديرها الإبداعي دانيال روزبيري مجموعة احتفت بـ”سحر الابتكار”، انطلاقاً من فكرة أن الإبداع الحقيقي يولد من الاستسلام للمجهول.
وتخلّى روزبيري عن بعض الرموز التقليدية للدار، مقدماً تصاميم جديدة تضمنت وجوهاً سريالية داخل الأقمشة، وحراشف سمك نابضة بالحياة مستوحاة من الهندسة المعمارية لأعمال الفنان غاودي، ولا سيما مبنى “كازا باتيو” في برشلونة.
وامتدت أصداء العرض إلى السجادة الحمراء، بعدما انتقلت الإطلالة الختامية التي ارتدتها العارضة آيفي ستيوارت في قصر “بيتي باليه” إلى النجمة زيندايا خلال العرض العالمي الأول لفيلم “الأوديسة” في ميدان ليستر، في لقاء بين الكوتور والسينما.
ديور: الطبيعة والنحت في حوار إبداعي
قدّم المصمم أندرسون في مجموعة ديور رؤية تجمع بين العناصر النباتية والنحت المعاصر، حيث تحولت حديقة “التويلري” الباريسية إلى دفيئة زجاجية ساحرة، انعكست أجواؤها على التصاميم التي تضمنت أقمشة خضراء تحاكي العشب الطبيعي، وظهرت في الأثواب الطويلة والسترات والأوشحة المهدبة.
كما استلهم أندرسون من أعمال النحاتة الأميركية ليندا بنغليس، مستخدماً تقنيات العقد والتشكيل في تصميم فساتين مطوية بأسلوب “الأكورديون”، إلى جانب قبعات مطوية عززت الطابع الفني والفلسفي للمجموعة.
إيلي صعب: “أحلام جامحة” على منصة الكوتور
قدّم المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب مجموعته للأزياء الراقية تحت عنوان “The Ball of Untamed Dreams” أو “حفلة الأحلام الجامحة”، في رحلة بصرية مزجت بين الرومانسية والفن والحرفية العالية.
واستوحت المجموعة فكرتها من الأحلام المتحررة من القيود، حيث استحضر صعب أجواء المدرسة السريالية من خلال تصاميم بدت وكأنها خرجت من لوحات فنية، مع إشارات إلى أعمال سلفادور دالي ورينيه ماغريت.
وحافظت القصّات على هوية إيلي صعب المعروفة، بين الرقة والبنية الهندسية، مع فساتين الساعة الرملية، والتصاميم العمودية، والعباءات الطويلة، والأكتاف المنحوتة، وفساتين ذيل السمكة، إلى جانب الفساتين الأميرية الضخمة.
وتنوعت لوحة الألوان بين العاجي والوردي والدرجات الناعمة، وصولاً إلى الأحمر القاني والأزرق الياقوتي والبنفسجي والفوشيا، فيما أضاف الأسود والفضي والذهبي لمسات من الأناقة الكلاسيكية والفخامة الملكية.
آشي ستوديو: الأقنعة تكشف جوهر الإنسان
قدّم المصمم السعودي العالمي محمد آشي مجموعة آشي ستوديو للأزياء الراقية كرؤية فلسفية مستوحاة من فكرة الأقنعة التي يرتديها البشر، مستلهماً من كتاب “Legendary Balls” وحفل روتشيلد المقنّع الشهير عام 1973.
وأوضح آشي أن المجموعة تسعى إلى استكشاف العلاقة بين القناع والهوية، حيث يكشف كل قناع عن جانب من الإنسان الكامن خلفه.
وترجمت هذه الرؤية عبر قطع تحولت إلى أعمال فنية، تضمنت مرايا مستوحاة من الطراز الفينيسي، وأصدافاً أعيد رسمها يدوياً، وأوراقاً يابانية منحوتة، إضافة إلى عناصر مصنوعة من الخشب والزجاج المنفوخ بالتعاون مع حرفيين وفنانين من مجالات مختلفة.
بالنسياغا: بييرباولو بيتشولي يعود إلى جوهر “المعلم”
وفي دار بالنسياغا، خاض المصمم بييرباولو بيتشولي أولى تجاربه في عالم الأزياء الراقية كمدير إبداعي للدار، مستعيداً جوهر مؤسسها كريستوبال بالنسياغا، المعروف بلقب “المعلم”.
وركّز بيتشولي على القصّات الهيكلية، وحياكة الأقمشة، والحرفية اليدوية، مقدماً تصاميم تقوم على البساطة والانضباط بعيداً من المبالغة، ما منح القطع فخامة خاصة.
وبرزت في المجموعة نظرته التعبيرية للألوان، من خلال مزج درجات متباينة مثل الأزرق الفيروزي مع الرمادي الداكن، والأصفر مع البنفسجي الملكي، إضافة إلى تفاصيل جريئة شملت بتلات الزهور المنحوتة، والترتر، والريش الفاخر الذي زيّن إطلالة النجمة جيجي حديد خلال عودتها إلى منصة العرض.








