spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"رسائل" جنبلاط تطوّق "اتفاق الإطار".. وتحشر العهد!

“رسائل” جنبلاط تطوّق “اتفاق الإطار”.. وتحشر العهد!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| خلود شحادة |

لم يكن كلام وليد جنبلاط عن “اتفاق الإطار” بين لبنان والعدو الإسرائيلي مجرد اعتراض سياسي عابر، أو تسجيل موقف تحفظي على آلية تفاوضية. الرجل، الذي أمضى عقوداً في قراءة التحولات الإقليمية والداخلية واختيار توقيت مواقفه بدقة، أطلق من خلال هجومه الأخير واحدة من أقسى الرسائل السياسية الموجهة إلى العهد والحكومة منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون.

عندما يصف جنبلاط الاتفاق بأنه “اتفاق آحادي أملته إسرائيل”، فهو لا ينتقد بنداً أو فقرة، بل ينسف الأساس السياسي الذي يقوم عليه الاتفاق. وعندما يتحدث عن “تسليم مصير البلاد لجماعات لا خبرة لها في السياسة الدولية، وهمّها السلطة فقط”، فإن السهام تتجاوز الفريق المفاوض لتطال مجمل المقاربة التي اعتمدها العهد والحكومة في إدارة الملف، باعتبارهما الجهة التي منحت الغطاء السياسي للمسار التفاوضي ونتائجه.

هنا تكمن خطورة الموقف. فجنبلاط لا يناقش التفاصيل، بل يطعن بالخيارات. ولا يعترض على التنفيذ، بل يشكك بالمسار كله. لذلك بدا وكأنه يضع نفسه للمرة الأولى في موقع المواجهة السياسية المباشرة مع السردية التي يروّج لها رئيس الجمهورية، والقائمة على اعتبار الاتفاق خطوة نحو تثبيت السيادة واستكمال الانسحاب الإسرائيلي.

الأهم، أن جنبلاط لم يكتفِ برفض الاتفاق، بل رسم صورة قاتمة للمرحلة المقبلة. دعوته الدولة إلى إعداد مراكز إيواء جديدة في الجنوب، لا يمكن قراءتها إلا كإعلان فقدان ثقة كامل بالاتفاق وبالضمانات التي يتحدث عنها داعموه. وكأن جنبلاط يقول إن ما جرى لا يؤسس لاستقرار، بل قد يكون مقدمة لجولة جديدة من المواجهة.

في السياسة اللبنانية، لا تُقرأ مواقف جنبلاط بمعزل عن التوازنات الداخلية. ولذلك فإن كلامه بدا أقرب إلى تقاطع سياسي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولو اختلفت اللغة والأسلوب. فالرئيس بري، الذي لطالما تعامل بحذر شديد مع أي تفاهمات أو ترتيبات مرتبطة بالعدو الإسرائيلي، يجد نفسه اليوم أمام اتفاق يعتبره غير موجود، لأنه يثير الكثير من علامات الاستفهام حول الضمانات وآليات التنفيذ ومصير الاحتلال في النقاط المتبقية. ومن هنا يمكن اعتبار أن جنبلاط يعبّر بصوت مرتفع عما يدور في أوساط قوى سياسية عدة تنظر بعين الريبة إلى الاتفاق، وتخشى تحوله إلى مدخل لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة على لبنان.

غير أن البعد الأكثر إثارة في موقف جنبلاط لا يرتبط بالحاضر فقط، بل بالماضي أيضاً. فمن الصعب فصل هذا الخطاب عن الذاكرة السياسية للرجل، وعن محطة 6 شباط 1984 التي شكّلت إحدى أهم التحولات في تاريخ لبنان الحديث. يومها كان جنبلاط شريكاً أساسياً مع نبيه بري في إسقاط اتفاق 17 أيار، الذي اعتُبر في حينه اتفاقاً مفروضاً برعاية خارجية ومنحازاً لمصلحة “إسرائيل”.

صحيح أن الظروف الحالية مختلفة جذرياً عن مرحلة الحرب الأهلية، لكن التشابه يكمن في جوهر المقاربة السياسية. ففي الحالتين يرفع جنبلاط الشعار نفسه تقريباً: لا اتفاق مع “إسرائيل” يمكن أن يصمد إذا افتقد التوازن الوطني والضمانات الفعلية، أو إذا كان استجابة لشروط خارجية أكثر مما هو تعبير عن مصلحة لبنانية جامعة.

من هنا، لا يبدو استحضار 6 شباط مجرد ترف تاريخي، بل رسالة سياسية مشفّرة إلى العهد وإلى القوى الداعمة للاتفاق. فجنبلاط، الذي كان أحد أبرز وجوه إسقاط اتفاق 17 أيار، يذكّر ضمناً بأن لبنان عرف في السابق محاولات لفرض تسويات لم تنجح في الصمود أمام الاعتراضات الداخلية وتبدل موازين القوى.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى هجومه الأخير بوصفه أكثر من اعتراض على اتفاق حدودي أو أمني، بل إعلان عن تموضع سياسي جديد في مواجهة الخيارات التي يتبناها العهد، ومحاولة لإعادة فتح النقاش حول مستقبل الاتفاق مع “إسرائيل”، وحدود الدور الأميركي، وشكل التسوية التي يمكن للبنان القبول بها.

لذلك، فإن أهمية كلام جنبلاط لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته أيضاً. فهو يأتي في لحظة يسعى فيها العهد إلى تقديم الاتفاق باعتباره إنجازاً سيادياً، فيما يخرج أحد أكثر اللاعبين خبرة في السياسة اللبنانية ليقول العكس تماماً: ما جرى ليس إنجازاً، بل تنازل سياسي قد يدفع لبنان ثمنه لاحقاً.

لذا، يبدو أن السجال حول “اتفاق الإطار” لن يبقى محصوراً في الجانب التقني أو الأمني، بل هو مرشح لأن يتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة حول هوية المرحلة المقبلة واتجاهاتها، تماماً كما حصل في محطات مفصلية سابقة كان 6 شباط أبرزها.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img