رأى رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة أن لبنان دخل مرحلة شديدة التعقيد نتيجة التطورات العسكرية التي شهدها خلال الفترة الماضية، معتبرًا أن ما أقدم عليه “حزب الله من عمليات عسكرية من دون استشارة الدولة اللبنانية أو موافقتها أدخل البلاد في حروب لم يكن قادراً على تحمل تداعياتها، وهو ما فرض واقعًا جديدًا أدى إلى انخراط لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل”.
وفي حديث تلفزيوني، قال السنيورة إن لبنان “أصبح في وضع شديد الصعوبة أملى عليه اتخاذ قرار بإجراء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، فيما كان بالإمكان تجنب الوصول إلى هذا الواقع”، مشيرًا إلى أن الاعتراضات الصادرة عن “حزب الله” ورئيس مجلس النواب نبيه بري وإيران على هذه المفاوضات تستوجب التذكير بأن لبنان سبق أن خاض مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة عام 2022، كما وقع اتفاقًا بهذا الشأن بين الحكومتين اللبنانية و”الإسرائيلية”.
وأضاف أن لبنان دخل لاحقًا أيضًا في مفاوضات أفضت إلى تفاهمات وقف إطلاق النار في 17 تشرين الثاني 2024، وقبل خلالها بعدد من البنود المتعلقة بتطبيق القرار 1701، معتبرًا أن الحديث عن رفض المفاوضات المباشرة لم يعد واقعيًا في ضوء الوقائع التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة.
وأكد السنيورة أن “اتفاق الإطار” يمثل عمليًا صيغة تعاقدية بين لبنان و”إسرائيل” برعاية الولايات المتحدة، موضحًا أن الاتفاق يربط تنفيذ عدد من الالتزامات اللبنانية قبل تنفيذ أي خطوات إسرائيلية، وفي مقدمتها انسحاب “إسرائيل” من الجنوب، الذي يبقى مشروطًا، بحسب نص الإطار، بعدم عودة “حزب الله” إلى المنطقة وسحب سلاحه، وهو ما يفتح الباب أمام تقديم الدعم للجيش اللبناني وإطلاق عملية إعادة إعمار البلاد.
ورأى أن “حزب الله” ليس طرفًا في الاتفاق، وقد أعلن رفضه الكامل له، في حين تربط “إسرائيل” استمرار وجودها العسكري في الأراضي اللبنانية باستمرار وجود سلاح “الحزب”، معتبرًا أن هذا الواقع يخلق حالة من “تبادل المنافع” بين الطرفين، إذ تستفيد “إسرائيل” من استمرار وجود السلاح لتبرير بقائها، بينما يستند “حزب الله” إلى استمرار الاحتلال لتبرير احتفاظه بسلاحه.
وأشار إلى أن الهدف النهائي لهذا المسار يجب أن يكون الوصول إلى دولة لبنانية تحتكر وحدها السلاح والقرار الأمني والعسكري.
ولفت السنيورة إلى وجود ثغرات في صياغة اتفاق الإطار، معتبرًا أن النص لم يكن متوازنًا بين الجانبين اللبناني و”الإسرائيلي”، وكان من الضروري إدراج عبارات واضحة تمنع أي تأويل مستقبلي.
وأوضح أن الاتفاق لم يتضمن كلمة “انسحاب إسرائيل”، بل استخدم عبارة “إعادة الانتشار”، كما خلا من الإشارة إلى وقف إطلاق النار، ولم يأت على ذكر اتفاق الهدنة لعام 1949 أو القرار الدولي 1701، معتبراً أن هذه الثغرات تفتح المجال أمام تفسيرات متعددة قد تؤدي إلى نزاعات جديدة.
وأضاف أن المادة الثالثة عشرة من الاتفاق، التي تنص على وقف لبنان أي ملاحقات أو دعاوى سياسية أو قانونية ضد “إسرائيل” أمام المحافل الدولية، كان ينبغي إعادة النظر فيها، لأنها تمس أحد الحقوق الأساسية للدولة اللبنانية.
واعتبر السنيورة أن الولايات المتحدة، الساعية إلى إنجاح الاتفاق، مطالبة بإعادة النظر في هذه الثغرات ومعالجتها، خصوصًا في ظل التداخل بين الملف اللبناني والمفاوضات الأميركية الإيرانية، مشيرًا إلى أن المصالح الانتخابية لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إضافة إلى حسابات “حزب الله” وإيران، قد تدفع مختلف الأطراف إلى تعطيل تنفيذ الاتفاق.
وأكد أن الموقف التفاوضي للبنان ليس قويًا نتيجة الظروف التي فرضتها الحرب، لكنه شدد في المقابل على دعمه للمبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام للدخول في مفاوضات مباشرة، باعتبارها محاولة للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإنجاز الانسحاب الإسرائيلي الكامل، واستعادة الأسرى، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى قراهم.
وأشار إلى أن لبنان كان يستطيع المطالبة بإضافة تعديلات على نص الاتفاق تمنع سوء التفسير مستقبلاً، مستشهدًا بالتجربة العربية مع القرار الدولي 242، حيث أدى غياب بعض الصياغات الدقيقة إلى خلافات استمرت عقودًا، داعيًا إلى الإفادة من تلك التجربة في إدارة المفاوضات الحالية.
وشدد السنيورة على ضرورة تعزيز الفريق اللبناني المفاوض بخبرات قانونية ودبلوماسية تمتلك تجربة واسعة في المفاوضات الدولية وفي عمل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستكون مليئة بالتفاصيل الدقيقة التي تحتاج إلى كفاءات متخصصة، خصوصًا أن لبنان يفاوض “عدوًا معروفًا بالمراوغة والنكول عن التزاماته”.
وأوضح أن اتفاق الإطار ليس نهاية المسار، بل يشكل بداية لسلسلة طويلة من المفاوضات الشاقة، داعيًا إلى إجراء اتصالات مع الولايات المتحدة بهدف إدخال توضيحات على نصوص الاتفاق قبل الانتقال إلى المراحل اللاحقة، بما يضمن حماية المصالح اللبنانية.
ورأى أن المسارين اللبناني والإيراني متداخلان إلى حد كبير، وأن أي تطور في المفاوضات الأميركية الإيرانية سينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المفاوضات الخاصة بلبنان، مشبهًا العلاقة بينهما بـ”الأوعية المستطرقة”.
وأشار إلى أن اتفاق إسلام آباد ركز على وقف إطلاق النار في لبنان، بينما ذهب اتفاق الإطار إلى معالجة قضايا أكثر تعقيدًا، أبرزها سحب سلاح “حزب الله” وعودة سلطة الدولة اللبنانية الكاملة إلى الجنوب، معتبرًا أن الطرفين، إسرائيل و”حزب الله”، يراهنان على عامل الوقت بانتظار متغيرات قد تفرض وقائع جديدة على الأرض.
وأضاف أن “إسرائيل” لا تزال تماطل في تنفيذ الانسحاب من المناطق التي يفترض أن تنسحب منها، بالتزامن مع استمرار استهدافها مناطق في الجنوب، فيما تلقي الاعتبارات الانتخابية لنتنياهو بظلالها على مسار تنفيذ الاتفاق.
كما رأى أن الولايات المتحدة لم تنجح حتى الآن في تحويل مكاسبها العسكرية تجاه إيران إلى إنجاز سياسي، في وقت تعتبر فيه طهران أنها تمكنت من الحفاظ على نظامها السياسي ومنع فرض تنازلات عليها في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية، الأمر الذي يفرض على واشنطن إعادة تقييم صيغة الاتفاق بما يحقق توازنًا أكبر بين الأطراف.
وفي ختام حديثه، دعا السنيورة الحكومة اللبنانية إلى التمسك بثلاثة مبادئ أساسية لزيادة فرص نجاح المسار التفاوضي، وهي “الحزم” في تطبيق القرارات السيادية المتعلقة بحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، و”الحكمة” في الانفتاح على جميع القوى السياسية، بما فيها “حزب الله”، لإقناعها بأهمية استعادة الدولة لصلاحياتها الكاملة، و”الحنكة” في إدارة المفاوضات وتجنب الوقوع في الأفخاخ السياسية، مع اعتماد التدرج في تحقيق الأهداف، معتبرًا أن لبنان لا يزال يمتلك فرصة يمكن استثمارها إذا أحسن إدارة المرحلة المقبلة.














