
عادة، تبرَّر الوثائق السرّية بأسباب تتعلّق بالأمن القومي، عندما تتضمّن معلومات لا يجب إطلاع الجمهور عليها، ويُخشى أن يؤدّي كشفها إلى الإضرار بالمصلحة الوطنية أو بأحد أطرافها. في حالتنا، الوثيقة إطار لاتفاق أو تفاهم أو معاهدة، ويكتسب حساسية مضاعفة عندما يكون مع دولة عدوّة كإسرائيل. وفي مثل هذه الحالات، تنتفي مبرّرات السرّية، لأن ما يترتّب على الاتفاق لا يقتصر على السلطة التي وقّعته، بل يمسّ الدولة بأكملها وجميع المواطنين.
لكنْ، ثمّة سبب آخر يدفع السلطة إلى النشر أو إلى الحجب. في كيان الاحتلال، يُنظر إلى ما وُقِّع مع لبنان على أنه إنجاز كبير ومصدر فخر. لذلك، فإن نشر الوثائق لا يضرّ الكيان، بل يساعده في تسويق الإنجاز أمام جمهوره، ولا سيما في ظل التعثّر الكبير الذي يواجهه المشروع الإسرائيلي في المنطقة. ولهذا السبب أيضاً، يصبح مفهوماً إصرار السلطة في لبنان، رغم كل وقاحتها في التفاوض الضعيف والاستسلام لشروط العدو وراعيه الأميركي، على ممارسة أعلى درجات التكتّم. ولو كان الأمر بيدها، لَما وافقت أساساً على احتفالية التوقيع في وزارة الخارجية الأميركية. لكنها، بعدما عجزت عن منع ذلك، حاولت إبقاء جزء من الاتفاق طي الكتمان. فطلب وفد سلطة الوصاية من الجانب الأميركي الامتناع عن نشر المُلحق الأمني الذي وُقِّع مع اتفاق الإطار، لمعرفته أنه يشكّل فضيحة كاملة، وخيانة موصوفة، خصوصاً أن المُلحق يُعدّ الآلية التنفيذية الفعلية لاتفاق الإطار.
ولأن سلطة الوصاية ومن يعمل معها في واشنطن كانوا يدركون أن العدو سيسارع إلى الحديث عن المُلحق الأمني، لجأت سفيرة لبنان في واشنطن، ندى معوض، إلى إطلاق تسريبات لم تنكر وجوده، لكنها سعت إلى تسويق نسخة مُحوّرة عمّا وقّعت عليه. وهذا ما حصل فعلاً، حتى إن مسؤولين كباراً في الدولة، لم يطّلعوا على النص الرسمي الذي كُتب بالإنكليزية ووقّعه السفيران اللبناني والإسرائيلي في واشنطن إلى جانب مسؤول في الخارجية الأميركية خلال مراسم إعلان الاتفاق في واشنطن.














