
| محمد خواجوئي |
تشهد طهران، اليوم، مراسم تشييع شعبية حاشدة لجثمان المرشد الإيراني الراحل، الشهيد علي خامنئي، الذي ترك بصمات عميقة في تاريخ إيران والمنطقة على مدار أكثر من 36 عاماً من قيادته. ويُسجّل في السيرة السياسية للقائد الشهید أنه من القلائل في التاريخ المعاصر الذين تمّ اغتيالهم في هجوم خارجي، وهم في ذروة سلطتهم، ممّا يضيف بُعداً رمزياً إلى أبعاد شخصيته التي باتت رمزاً للصمود، ورفض الاستسلام أمام الخصوم حتى وإن كان الثمن هو الحياة.
ويتجاوز الإرث الذي يتركه خامنئي، اللحظة الراهنة لمراسم التشييع؛ فهو إرث سياسي واستراتيجي ومؤسّساتي أعاد رسم ملامح إيران والمنطقة. هنا، لا بدّ من العودة إلى نقطة التحوّل في عام 1989، حين تسلّم الرجل مقاليد الحكم بعد عقد من الثورة، في ظروف بالغة التعقيد؛ إذ كانت إيران تَخرج لتوّها من حرب استنزاف دامت ثماني سنوات مع العراق، وتواجه تحدّيات جسيمة في إعادة بناء بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية. وفي ظلّ هذه التحدّيات، قاد خامنئي مرحلة الانتقال من «الروح الثورية» إلى مرحلة مأسسة الدولة وتثبيت أركان الحكم، مؤسّساً لمنظومة مؤسّساتية قوية شكّلت وجه إيران الحديث.
وعليه، لم تكن قيادته مجرّد استمرار لنهج الإمام الخميني، بل مثّلت هندسة سياسية شاملة، هدفت إلى تحويل أيديولوجيا الثورة إلى نظام دولة مستدام. فقد نجح في نقل مفهوم «ولاية الفقيه» من حيّزه النظري والروحي إلى إطار مؤسساتي وقانوني وإداري متكامل؛ مما أتاح قيام دولة – أمّة ذات هياكل صلبة وبنى تحتية سياسية عصيّة على التحلّل. والانتقال الجذري هذا نحو المأسسة، هو ما يفسّر فشل كلّ التوقّعات الغربية التي تنبّأت بانهيار النظام الإيراني. فاليوم، ورغم الاغتيالات التي طاولت قيادات عليا وقادة عسكريين خلال الحرب الأخيرة، لم يشهد هيكل الحكم أيّ انهيار؛ وذلك لأن الجمهورية الإسلامية، بفضل رؤية خامنئي، لم تعُد نظاماً يرتكز على كاريزما الفرد، بل أصبحت نظاماً قادراً على العمل والاستمرار في الحياة السياسية حتى في غياب قمّة الهرم.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، كان الرهان على «الاستقلال العسكري» هو الركيزة الثانية في مشروع خامنئي. وانطلاقاً من قناعة بأن الضعف العسكري والتبعية للخارج هما الثغرة التي تتيح مهاجمة الأنظمة، وجّه القائد الراحل استثمارات ضخمة نحو التصنيع الدفاعي الذاتي، لا سيما في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي القدرات التي أثبتت فاعليتها في الحروب الأخيرة. وفي هذا الإطار، تحوّل «الحرس الثوري» تحت قيادته من قوة شبه عسكرية ذات طابع أيديولوجي، إلى منظمة استراتيجية شاملة، تمتلك أبعاداً عسكرية واستخباراتية واقتصادية، بل وتمثّل الذراع التنفيذية الأقوى للسياسات الكبرى في المعادلات المحلّية والإقليمية.
ولم تكن حدود الجغرافيا الإيرانية يوماً هي المدى النهائي لرؤية خامنئي؛ بل إن الجانب الأهمّ من إرثه يتجلّى في إعادة هندسة المعادلات الإقليمية عبر صياغة ما بات يُعرف اليوم بـ«محور المقاومة». فقبل حقبته، كانت حركات المقاومة في لبنان وفلسطين وغيرها، تعمل في جزر منعزلة تفتقر إلى التنسيق الاستراتيجي، لكن تحت توجيهه الفكري ودعمه الشامل، تحوّلت هذه الحركات إلى شبكة جيوسياسية وعسكرية وأيديولوجية متكاملة، تمتدّ من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى اليمن. كما نجحت هذه الشبكة، في تعزيز قدراتها الردعية وتغيير قواعد الأمن الإقليمي، وهو ما أجبر الخصوم الإقليميين والدوليين على إعادة حساب تكلفة مغامراتهم. كذلك، كانت فلسفة خامنئي تقوم على عقيدة «الاستقلال الاستراتيجي»؛ حيث اعتبر أن أيّ اعتماد على القوى الخارجية لتأمين الأمن والتنمية ليس حلاً، بل هو «فخّ استراتيجي» يؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان السيادة والكرامة الوطنية.
في قلب هذه الرؤية، ظلّ الدفاع عن القضية الفلسطينية «خطاً أحمر» وأولوية قصوى. وقد أكد خامنئي مراراً أن أيّ تسوية مع الكيان الإسرائیلي لن تنهي الأزمات، بل ستعمّق حال عدم الاستقرار وتفتح الباب أمام تغلغل القوى الأجنبية في قلب العالم الإسلامي. ورغم التكاليف الباهظة التي فرضتها حرب غزة والنزاعات في لبنان خلال عامَي 2024 و2025، إلا أن مواقف المرشد الراحل بقيت ثابتة؛ إذ وصف في أواخر حياته قوى المقاومة بأنها رموز الصمود، مؤكداً أن قدرتها على الوقوف في وجه الضربات المباشرة وعدم الركوع هي المفتاح الحقيقي للنصر النهائي.
إلى جانب ما تَقدّم، تمحورت رؤية خامنئي حول ضرورة قيام مشروع حضاري شامل؛ سمّاه مشروع «الحضارة الإسلامية الجديدة». فعبر خطاباته وبياناته، سعى إلى صياغة نموذج عالمي يستعيد فيه العالم الإسلامي هويته الثقافية، ويستثمر طاقاته البشرية والاقتصادية ليخرج من عباءة الهيمنة الغربية، ويقدّم نموذجاً مستقلاً في التنمية والحكم. وإذ تبلور هذا الطموح في برامج استراتيجية ذات أبعاد تنفيذية، من مثل «الاقتصاد المقاوم»، و«النهضة البرمجية»، و«جهاد التبيين»، فقد سعت إيران عبر ذلك لتكون النواة المركزية لهذه الحضارة، سواء عبر تحقيق الاكتفاء العلمي، أو الاستقلال الاقتصادي، أو الردع العسكري.
مع استمرار مراسم التشييع في طهران، يتساءل المحلّلون عن مصير المسار الذي خطّه خامنئي. والجواب هنا، ربما يكمن في طبيعة النظام الإيراني الذي نجح، بفضل العملية التي قادها الراحل، في التحوّل من نظام الفرد إلى نظام المؤسسات. لذا، فإن غياب القائد لن يعني انهيار هذا المسار، بل إن الأخير سيستمرّ تحت إدارة منظومة أصبحت هي الضابط للقرار. كما إن إرث خامنئي لن يوارى، والحال هذه، مع جسده الثرى، بل سيظلّ بمنزلة مدرسة سياسية حيّة، يمثّل الاستقلال والكرامة الوطنية ركيزتَيها الأبرز اللتين لا تقبلان التفاوض.














