تمكن فريق دولي من العلماء من تحديد اضطراب وراثي لم يكن معروفاً من قبل، يتسبب في مرض رئوي شديد يبدأ منذ الطفولة المبكرة، في اكتشاف يسلط الضوء على أحد الأسباب الخفية للفشل التنفسي لدى الأطفال ويفتح آفاقاً جديدة أمام التشخيص والعلاج.
وأظهرت نتائج الدراسة، التي نُشرت في مجلة “American Journal of Human Genetics” في 8 حزيران/يونيو 2026، أن المرض الرئوي ينجم عن طفرات تؤدي إلى فقدان وظيفة جين يُعرف باسم “TMEM63B”.
وكشف باحثون من كلية بايلور للطب الأميركية ومستشفى تكساس للأطفال، بالتعاون مع مؤسسات بحثية في آسيا وأوروبا، أن الأطفال الذين يرثون نسختين معطوبتين من هذا الجين يعانون مشكلات تنفسية خطيرة منذ الأشهر الأولى من الحياة، إضافة إلى تأخر في النمو.
ويُعد هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو فهم أحد الأمراض الوراثية النادرة التي ظلت أسبابها مجهولة لسنوات طويلة.
وبدأت رحلة الاكتشاف مع طفل التحق ببرنامج الشبكة الأميركية للأمراض غير المشخّصة (UDN) في كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال، حيث حاول الأطباء تفسير أعراض تنفسية حادة لم تتمكن الفحوص التقليدية من تحديد سببها.
وأظهرت التحاليل الجينية وجود طفرات نادرة في جين “TMEM63B”، وبعد مشاركة هذه الملاحظات عبر شبكة الأمراض غير المشخّصة، تمكن الباحثون من العثور على 4 مرضى آخرين من 3 عائلات غير مرتبطة يحملون طفرات مشابهة ويعانون أعراضاً متقاربة، ليتم بذلك التعرف على أول 5 حالات معروفة لهذا الاضطراب الوراثي الجديد.
وعانى جميع الأطفال ضيقاً بالتنفس ومشكلات رئوية ظهرت في وقت مبكر من الحياة، كما أظهرت الفحوص تغيرات غير طبيعية في أنسجة الرئة وتأخراً في النمو والتطور. ومن اللافت أن المرضى لم يعانوا نوبات صرع، رغم أن طفرات أخرى في الجين نفسه ارتبطت سابقاً باضطرابات عصبية شملت الصرع وتأخر النمو.
ويحمل جين “TMEM63B” تعليمات إنتاج بروتين يعمل كقناة أيونية، وهي بوابات مجهرية تسمح بمرور الأيونات عبر أغشية الخلايا، وتؤدي دوراً مهماً في وظائف العديد من الأعضاء، بما في ذلك الدماغ والرئتان.
وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن بعض الطفرات تجعل هذه القنوات مفرطة النشاط، أي تبقى مفتوحة عندما يفترض أن تكون مغلقة، وهو ما ارتبط باضطرابات عصبية ونوبات صرع. أما الدراسة الحالية، فكشفت عن نوع مختلف من الطفرات يؤدي إلى اختفاء القناة الأيونية أو فقدانها وظيفتها بالكامل نتيجة وراثة نسختين معطوبتين من الجين، واحدة من كل والد، وهو ما أكدته التجارب المخبرية التي أظهرت فقداناً كاملاً لوظيفة البروتين.
ورجح الباحثون أن يكون تأثير فقدان وظيفة الجين أشد على الرئتين مقارنة بالدماغ، لأن الدماغ يمتلك قنوات أيونية أخرى قادرة على تعويض غياب الجين جزئياً، بينما تفتقر الرئتان إلى آليات تعويض مماثلة، ما يؤدي إلى اضطراب عمليات حيوية ضرورية للحفاظ على وظائف الرئة الطبيعية، ويفسر حدوث الفشل التنفسي الحاد لدى الأطفال المصابين.
وتتوافق هذه النتائج مع دراسات سابقة أُجريت على فئران عُدلت وراثياً لتفتقر إلى الجين نفسه، حيث عانت الحيوانات فشلاً تنفسياً شديداً بعد الولادة مباشرة.
ويرى الباحثون أن الطفرات في جين “TMEM63B” قد تمثل سبباً جديداً وغير معروف سابقاً لبعض أنواع أمراض الرئة الخلالية لدى الأطفال، وهي مجموعة من الأمراض النادرة التي تصيب الأنسجة الدقيقة للرئتين وتعيق عملية التنفس، وغالباً ما ترتبط بخلل في إنتاج أو وظيفة المادة الخافضة للتوتر السطحي الرئوية، التي تساعد الرئتين على التمدد والانكماش بسهولة أثناء التنفس.
وقالت الدكتورة كيرين ماشول، من قسم علم الوراثة الجزيئية والبشرية بكلية بايلور للطب في مدينة هيوستن بولاية تكساس، والباحثة المشاركة في الدراسة، إن التعرف إلى جين “TMEM63B” بوصفه سبباً لهذه الحالات قد يساعد الأطباء على تشخيص المرض مبكراً وتقديم الرعاية المناسبة للمرضى وأسرهم.
ومن المتوقع أن تؤثر هذه النتائج في استراتيجيات الفحص الجيني للأطفال الذين يعانون أمراضاً تنفسية مجهولة السبب. فحتى الآن، كان هذا الجين معروفاً أساساً بدوره في بعض الاضطرابات العصبية، إلا أن الدراسة الجديدة أظهرت أن نوع الطفرة هو الذي يحدد طبيعة المرض، سواء كان عصبياً أو رئوياً.
وأكد الباحثون أن هذا الاكتشاف لم يكن ليتحقق لولا التعاون الدولي وتبادل البيانات بين المراكز الطبية والبحثية حول العالم، إذ إن الحالات النادرة غالباً ما تكون موزعة بين دول مختلفة، ما يجعل الربط بينها أمراً صعباً. إلا أن مشاركة المعلومات الجينية والسريرية أتاحت للعلماء جمع الأدلة اللازمة لإثبات العلاقة بين طفرات جين “TMEM63B” والمرض الرئوي الشديد.
ورغم أن كثيراً من الأسئلة لا يزال بحاجة إلى إجابات، فإن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم أفضل للأمراض الوراثية النادرة التي تصيب الجهاز التنفسي، ويمنح الأمل لعائلات ظلت لسنوات تبحث عن تفسير لمعاناة أطفالها.














