| جورج علم |
يبقى “اتفاق الإطار” مجرد محطة على درب مسار طويل.
هندست “الخماسية” العربية ـ الدولية هذا المسار. وكانت البداية بتحرير المؤسسات الرسمية من الفراغ. انتُخب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، واختير نواف سلام رئيساً للحكومة، وتمّ انتخاب المجالس البلدية والاختيارية. وكان يفترض أن يكتمل العقد بانتخاب مجلس نيابي، إلا أن المشرفين ارتأوا انتخاب مجلس جديد يختاره “لبنان الجديد”!
مرت تلك المرحلة وسط ضباب كثيف من الشكوك، والتباينات في المواقف، وحتى التهويل بالشارع، لكن السلم الأهلي بقي صامداً، رغم بعض الارتجاجات القوية والعواصف المدمرة التي هبت على الإقليم، ولا تزال.
ليست هناك أضواء كاشفة حول حقيقة ما تخطط له “الخماسية”، لكن دولها تركت بصمة واضحة على ما هو متداول الآن. ولسان حالها يقول: “بعد تحرير المؤسسات من الفراغ، حان وقت تحرير الوطن من الهيمنات الجاثمة على صدره، والمعطلة لقدراته وإمكاناته”. فكانت المفاوضات المباشرة، وكان “اتفاق الإطار”. فهل ينجح في تحقيق ما يصبو إليه؟
إنه “اتفاق التحدي”، كونه خرق المحظور، وطوى مرحلة طويلة ومعقدة، ليبدأ بأخرى ربما أشد تعقيداً. والثابت أن “الحرس” المواكب لا يزال نشطاً، من الدول العربية إلى دول مجلس التعاون الخليجي، إلى الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وهناك علاقات ثقة، ورابط معنوي، بين لبنان وهذه الدول والمرجعيات الداعمة.
لم يجتز “الاتفاق” المطبات الصعبة بعد، ولم يتخطَّ مرحلة الخطر، لكن الحديث انطلق منه وعنه إلى “المناطق الأمنية النموذجية” في الجنوب.
ينتقل لبنان الآن من “المكتوب” إلى “المطلوب”. وليس من ترف في تضييع الوقت عند المشرفين الداعمين. وبعد الصدمة التي أحدثها التوقيع على الاتفاق، لا بد من أخرى عملية، بدعم الجيش في استعادة السيادة الوطنية على منطقتين تجريبيتين.
هذا لا يعني أن الطريق ممهد وخالٍ من الألغام والمعوقات، ولكن لا بد من مقاربة التحديات بمنطق وعقلانية.
التحدي الأول برسم الولايات المتحدة. إنها الضامن والوسيط والراعي. فهل تقود القطار إلى المحطة النهائية بشفافية، أم أنها ستساير وتناور؟
كان لبنان ساحة صراع وتصفية حسابات بين المحورين: الإيراني من جهة، والأميركي ـ الإسرائيلي من جهة أخرى.
تكمن أهمية “اتفاق الإطار” في أنه أحدَثَ خرقاً، وسمح للولايات المتحدة بأن تدخل من بوابته لتصبح “الجنرال الثالث”، في مواجهة الجنرالين الإيراني و”الإسرائيلي”. فهل ستكون صاحبة الأمر في ضبط الساعة، والتوقيت، وتوزيع الصلاحيات، وترسيم الأدوار، وتفاصيل المهمات، أم ستتخلى عن الصفارة نزولاً عند متطلبات المصالح؟
التحدي الثاني: نجح رئيس الجمهورية جوزاف عون، مدعوماً من حكومة الرئيس نواف سلام، في الإمساك بزمام المبادرة، والتأكيد أن الدولة هي المرجعية الوحيدة المخولة للحوار باسم لبنان، ونيابة عنه. ونجح في التوصل إلى “اتفاق إطار” من خلال المفاوضات المباشرة. وبقي عليه أن ينجح في امتحان “المناطق التجريبية”.
ويشكل عامل الوقت عنصر ضغط، ويشغل الحديث عن “المنطقتين النموذجيتين” الفضاء الإعلامي، مع تركيز على بلدتي فرون ـ قضاء بنت جبيل، وزوطر الغربية ـ قضاء النبطية.
الجنرال الأميركي متأهب، وانتشار الجيش سيتم تحت إشراف مراقبين أميركيين.
ويشكل هذا تحدياً بنظر البعض، فيما ينظر إليه البعض الآخر على أنه ضمانة، لأن البلد يُدار من الخارج بـ”الريموت كونترول”، ولا يعول على الداخل.
أصبح الداخل، من منظار غرفة العمليات، في خبر كان. كان هناك داخل يُعول عليه عندما كان وجهاء البلاد يضعون خلافاتهم وانقساماتهم جانباً، ويسارعون إلى التفاهم لتجنيب البلاد الانحدار نحو الهاوية. أما اليوم، فهناك اصطفافات ومتاريس، مع أمر بمنع إطلاق النار، والاكتفاء بالمواجهات الإعلامية.
نقل “اتفاق الإطار” الصراع من التنظير إلى العمل، فيما تبقى مواجهات المنابر صاخبة ومحتدمة، تنبئ ببرق ورعد قد يؤديان إلى عاصفة هوجاء تزيل ما تبقى من مظلات تحمي السلم الأهلي، إلا أن “الخماسية” تؤكد أن السلم خط أحمر، ممنوع تجاوزه من أي كان.
ويبقى التحدي الثالث محكوماً بفصل المسارات.
كان الهدف من المفاوضات المباشرة فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني.
لكن البوادر غير مشجعة. فالأميركي يتوسط هنا، ويفاوض هناك. يرعى المفاوضات المباشرة، ويترك بصمته على “اتفاق الإطار”، فيما يفاوض طهران تحت وابل من التهديد والوعيد. فهل يردم الهوة بين المسارين، ويحقق المبتغى المطلوب في لبنان؟
الجواب عنده، والأيام المقبلة شواهد.
بدوره، “الإسرائيلي” لا يرغب في الفصل. وما لم يأخذ ما يريده من إيران، فلن يعطي في لبنان، إلا مرغماً، وبضغط أميركي.
أساساً، لم يقدم على توقيع “اتفاق الإطار” إلا بحضور وإشراف ورعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
وأمام نتنياهو استحقاق انتخابي لا يمكن اجتيازه بنجاح إلا إذا حظي بدعم واضح ومشروط من الرئيس دونالد ترامب. أما مواقفه الاستفزازية، فمجرد دعاية انتخابية، ووعوده الشعبوية العالية السقف موجهة إلى الداخل “الإسرائيلي”، بهدف افتعال “تسونامي” انتخابية.
أما إيران، التي تجابه على جبهتين، فلا يمكن أن تقتنع بتوحيد المسارين إلا إذا حصل تطور كبير تفوق تداعياته أي قدرة على الاحتمال. ولسان حالها ينطق به “حزب الله”: يؤيد التفاهم الإيراني ـ الأميركي، ويرفض التفاهم اللبناني ـ الإسرائيلي.
يبقى أن ما بعد “اتفاق الإطار” ليس كما قبله. فالمسار واضح، والراعي الأميركي يحرص على إظهار الجدية في الالتزام والتنفيذ، فيما توسع المظلة العربية ـ الدولية شعاعها. والكلام عن “المنطقتين النموذجيتين” يأخذ طريقه، بينما تستمر المواجهات الإعلامية في تغطية الخطوات العملية الهادفة إلى وضع ما تم التوافق عليه موضع التنفيذ على أرض الواقع.
وباختصار شديد، خرج “اتفاق الإطار” من الكواليس الدبلوماسية السرية إلى العلن، مزنراً بعبوات ناسفة. فهل تنفجر به فتدمره، أم تُستخدم لتدمير العوائق التي تعترض طريقه؟
الجواب في ميزان المصداقية الأميركية.














