
سريعاً بدأت ترجمات تفاهمات “لوسيرن” الأميركية – الإيرانية وفق خريطة طريق من ابرز عناوينها النفط والأموال المجمدة ومضيق هرمز وإعادة الإعمار والتنمية الإقتصادية ووقف إطلاق النار في لبنان.
ويفترض أن تؤسس هذه الخريطة لاتفاق شامل خلال ستين يوماً وتتضمن تشكيل لجنة عليا للإشراف على الإتصالات وفتح قناة اتصال مباشرة، إلى جانب أربع مجموعات عمل.
وغداة القمة الأميركية – الإيرانية توجّه المسؤولون الكبار في الجمهورية الإسلامية نحو الأصدقاء والحلفاء، فطار الرئيس مسعود بزشكيان إلى باكستان، وحط رئيس مجلس الشورى ووزير الخارجية في سلطنة عُمان للبحث في إدارة مضيق هرمز.
وفيما قال محمد باقر قاليباف إننا أنهينا الحرب ورفع الحصار بالحوار وقوة الميدان، صرح الرئيس الأميركي بأننا نحقق تقدماً جيداً في مسار التفاوض للتوصل إلى اتفاق عادل ومعقول مع الجمهورية الإسلامية.
ومما لا شك فيه أن هذا الكلام الإيجابي لم ينزل برداً وسلاماً على كيان الإحتلال الإسرائيلي ومسؤوليه الذين تنتابهم موجات من الصدمة والذهول والتخبط، يزيدها اشتعالاً تثبيت لبنان بنداً رئيسياً في المفاوضات الأميركية – الإيرانية.
ويبدو أن هذه المفاوضات ستلقي بظلالها على مسار التفاوض بين لبنان والعدو الإسرائيلي الذي يشهد اليوم جولة خامسة في واشنطن.
وما بين محطتي التفاوض في بورغنشتوك السويسرية وواشنطن الأميركية، عبّر العدو الإسرائيلي عن تخبطه في الميدان كما في السياسة والإعلام.
في الميدان، ارتكب جيش الإحتلال اليوم سلسلة خروقات لوقف إطلاق النار أخطرها في النبطية حيث سقط شهيدان بنيرانه خلال قيام مجموعة من المواطنين بالعمل على فتح الطرقات وانتشال جثامين من تحت الأنقاض.
وإزاء هذا الخرق حذرت المقاومة من أن ما أقدم عليه العدو يعد انتهاكاً فاضحاً لوقف إطلاق النار الذي التزمت المقاومة به حتى الآن.
أما في السياسة فبرزت حالة الإنكار لدى المسؤولين الإسرائيليين يتقدمهم بنيامين نتنياهو الذي يتصرف بشكل هستيري في كل ما يتعلق بلبنان على حد تعبير الإعلام العبري الذي أكد أن إسرائيل تلقت رسالة من أميركا مفادها أن الضوء الأخضر انتهى.
ومن تجليات حالة الإنكار تلك قول نتنياهو أن قواته تتمتع بحرية الحركة في جنوب لبنان وإنها لن تنفذ أي انسحاب منه.
لكن الرد جاءه سريعاً… إذ سئل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الموقف الإسرائيلي الرافض للإنسحاب فقال: مَنْ قال إن إسرائيل لن تنسحب؟!
هذا الإشتباك الإعلامي والسياسي توجّه نتنياهو بالتلويح بوجوب الإستغناء عن الأسلحة الأميركية والتشديد على تعزيز الإستقلالية في مجال التسليح.
أما وزير أمنه القومي إيتمار بن غفير فبلغ توتره أَوْجَهُ عندما قال إن إسرائيل ليست مجرد نجمة أخرى على العلم الأميركي.
ماذا جنى لبنان من منطق الاسناد؟ سؤال سيبقى مطروحا في الاوساط اللبنانية مدة طويلة، لتتوزع الاجابات عليه بين مؤكدٍ بأن النتيجة لم تكن الا احتلالا وقتلا وجرحا وتهجيرا وخرابا، من اجل قضايا لا تعني لبنان، ومشددٍ على ان اسناد غزة ثم ايران من الجنوب اتى في سياق استباق النوايا الاسرائيلية بمهاجمة لبنان.
وفيما يتواصل النقاش الداخلي على هذا الصعيد، تستمر المفاوضات الاميركية-الايرانية، ويتكرر مشهد جلوس الوفدين اللبناني والاسرائيلي على طاولة واحدة في واشنطن، في وقت تلقى رئيس الجمهورية جوزاف عون اتصالا هاتفيا من نائب الرئيس الاميركي جاي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو تم خلاله التداول في آخر التطورات المتصلة بالوضع في لبنان ومرحلة ما بعد اجتماعات سويسرا. وشدد فانس وروبيو على متابعة تنفيذ ما اتفق عليه في اجتماعات سويسرا ومنها تشكيل خلية من الولايات المتحدة ولبنان وايران لتثبيت وقف اطلاق النار في لبنان ومراقبة تنفيذ الاجراءات المرتبطة بذلك.
وفي كل الاحوال، مما لا شك فيه ان مفاوضات سويسرا شكلت تحوّلاً هاماً في الصراع الإقليمي، لكن الأمور تبقى مرهونة بتنفيذ ما تم الإتفاق عليه، علما ان للبنان حقاً بتسوية خاصة بناءً على مصالحه الوطنية وليس إلحاقاً بصفقات القوى الخارجية، مع التشديد على حصرية القرار والسلاح بيد الدولة اللبنانية ركيزةً لسحب الذرائع من إسرائيل ودخول مرحلة الإستقرار، كما ان الانسحاب الاسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات على لبنان بشكل نهائي ومضمون دولياً هو باب لاستقرار طويل الأمد يمهّد الى سلام عادل.

نزفَ الدمُ اللبنانيُّ من جديدٍ بخرقٍ صهيونيٍّ فاضحٍ لاتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ ولمذكرةِ التفاهمِ الأميركيةِ الإيرانيةِ، حيث استشهدَ مواطنانِ في النبطيةِ الفوقا وأُصيبَ آخرونَ باعتداءٍ من جيشِ الاحتلالِ. وبعدَ محاولةِ العدوِّ تبريرَ جريمتِهِ بروايةٍ دونكشوتيةٍ، ستكذّبُ قناةُ المنارِ هذه الروايةَ بالدليلِ، عبرَ المشاهدِ التي ستردُ في النشرةِ، وتُظهرُ المدنيينَ والهيئاتِ الإسعافيةَ وهم يتوجّهونَ إلى منطقةِ الديرِ في النبطيةِ الفوقا لانتشالِ جثامينِ الشهداءِ، وكيف استهدفهم الاحتلالُ برصاصِهِ الموجَّهِ الغادرِ. والعدوانُ الغادرُ هذا، كما وصفتْهُ المقاومةُ في بيانٍ لها، هو انتهاكٌ فاضحٌ لوقفِ إطلاقِ النارِ، الذي التزمتْ به المقاومةُ حتى الآنَ. وعبارةُ «حتى الآنَ» رسالةُ تحذيرٍ بليغةٌ لقواتِ الاحتلالِ. أمّا رسالةُ الأمينِ العامِّ لحزبِ اللهِ سماحةِ الشيخِ نعيمِ قاسمٍ خلالَ خطابِهِ العاشورائيِّ، فأكّدتْ ألّا ضامنَ لتحريرِ الأرضِ والسيادةِ والاستقلالِ في لبنانَ سوى قوةِ المقاومةِ المبنيةِ على القدرةِ والإرادةِ والإيمانِ، مجدِّدًا التأكيدَ أنّنا في مرحلةٍ جديدةٍ من تاريخِ لبنانَ ومقاومتِهِ وجيشِهِ وشعبِهِ ومستقبلِهِ، ولا خيارَ أمامَ العدوِّ الإسرائيليِّ إلا الانسحابُ من كاملِ الأراضي اللبنانيةِ. فنحنُ، ضمنَ سقفِ الأمنِ المتبادلِ، نتعاونُ مع الجيشِ اللبنانيِّ إلى أقصى الحدودِ، كما أكّدَ الشيخُ قاسمٌ، ولا دخلَ للكيانِ الصهيونيِّ في ما نتفقُ عليهِ على المستوى الداخليِّ اللبنانيِّ. وبعيدًا عن الحاقدينَ المتآمرينَ، نصيحةٌ من الشيخِ قاسمٍ للسلطةِ اللبنانيةِ الداخلةِ إلى جولةٍ جديدةٍ مرفوضةٍ من مفاوضاتِها المباشرةِ مع العدوِّ، بأن تستفيدَ من ضمانةٍ مجرَّبةٍ اسمُها المقاومةُ، للاستقواءِ بها في مواجهةِ التحدياتِ. لكنَّ تحدياتِ السلطةِ هذه باتتْ عصيّةً على الاستيعابِ، مع خسارتِها ثقةَ شريحةٍ كبرى من شعبِها، ثم إصابتِها بأكبرِ خيبةٍ من صديقِها الأميركيِّ. فمعَ كلِّ محاولاتِ السلطةِ التنكّرَ للإنجازِ الإيرانيِّ بوقفِ إطلاقِ النارِ عن لبنانَ، والتطاولَ على الجمهوريةِ الإسلاميةِ الإيرانيةِ، ومحاولةَ التبرؤِ من مظلتِها الضامنةِ للبنانَ، عاجلتِ الإدارةُ الأميركيةُ السلطةَ اللبنانيةَ باتصالٍ من نائبِ الرئيسِ الأميركيِّ جي دي فانس ووزيرِ خارجيتِهِ ماركو روبيو، اللذين أكّدا للرئيسِ جوزيفَ عونٍ أنّ واشنطنَ تتابعُ تنفيذَ ما اتُّفِقَ عليهِ في اجتماعاتِ سويسرا مع الإيرانيينَ، ومنها تشكيلُ خليةٍ من الولاياتِ المتحدةِ ولبنانَ والجمهوريةِ الإسلاميةِ الإيرانيةِ لتثبيتِ وقفِ إطلاقِ النارِ في لبنانَ، ومراقبةُ تنفيذِ الإجراءاتِ المرتبطةِ بذلكَ. ولفتا إلى أنّه تجري حاليًّا دراسةُ الترتيباتِ المتعلقةِ بعملِ الخليةِ وطريقةِ تشكيلِها. ويكفي سماعُ هذا الكلامِ الأميركيِّ ليتخيّلَ اللبنانيونَ حجمَ الخيبةِ التي تُصيبُ أهلَ السلطةِ، وجوقتَهم من الساسةِ الغارقينَ في الأحقادِ والأوهامِ.

على المسار الأميركيّ الإيرانيّ، انتقل المشهدُ من سويسرا إلى إسلام آباد، في متابعةٍ لِما تمَّ التفاهمُ عليه. وعلى المسار اللبنانيّ الإسرائيليّ، إنتقل المشهد إلى واشنطن مع بدء جولةِ المفاوضات الخامسة بين لبنان وإسرائيل. في إسلام آباد متابعة لِما تم التوصلُ إليه في سويسرا، في ظل استمرارِ سريانِ الهدنة. وفي واشنطن تركيز لبنانيّ على انسحاب إسرائيل، ما يعني أن الملفَ الأمنيّ يتقدم على الملف السياسيّ، في الجولة الأولى. واليوم تلقى لبنان جرعةَ دعمٍ أميركية من خلال تلقي رئيس الجمهورية جوزاف عون اتصالًا هاتفيًا، من نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، شدد خلاله على “متابعة الولايات المتحدة الأميركية تنفيذَ ما اتفق عليه في اجتماعات سويسرا، ومنها تشكيلُ خليةٍ من الولايات المتحدة ولبنان والجمهورية الاسلامية الايرانية لتثبيتِ وقف اطلاق النار في لبنان ومراقبةِ تنفيذِ الاجراءات المرتبطة بذلك”. ولفتا إلى أنه “تجري حاليًا دراسةُ الترتيبات المتعلقة بعمل الخلية وطريقةِ تشكيلها”. السؤال هنا: أين إسرائيل من هذه الخلية؟ وهي طرف أساسيّ معني بالحرب في الجنوب؟ إسرائيل، من خلال الأجواء من تل أبيب، إلى مزيدٍ من التباعد مع الولايات المتحدة، ومن المؤشرات كلامٌ لرئيس الوزراء بنيامنين نتنياهو عن السعي إلى استقلاليةِ التسلح، فهل هو تهويلٌ أم مسارٌ جديد في التباعد الأميركيّ الإسرائيليّ؟ وإلى أين يمكن أن يصلَ هذا التباعد؟ صحيحٌ أن طرحَ نتنياهو ليس جديدًا إذ سبق أن طرحه في مؤتمر صحافيّ لكنّ، اللافتَ أنه أعاد التأكيدَ عليه اليوم. موقف باكستانيّ قد يفجر أزمةً مع إسرائيل، ففي الوقت الذي تطالب فيه الدولة العبرية إيران بوقف تصنيع الصواريخ البالستية، قال رئيس وزراء باكستان: “ينبغي أن لا تكون هناك معاييرُ مزدوجةٌ تسمح لبعض الدول بامتلاك صواريخَ باليستيةٍ بينما لا تملكها إيران”. في تطور جيوسياسيّ جديد، قال الرئيس التنفيذيّ لشركة توتال إنرجيز الفرنسية خلال مؤتمر للطاقة في باريس اليوم إنّ على الشركة إعطاءَ الأولويةِ لبناء خطوطِ أنابيبَ قادرةٍ على تصدير النفط والغاز من الشرق الأوسط دون الحاجة إلى مرور السفن عبر مضيق هرمز. من استقلالية التسلح في إسرائيل، إلى بدء الإستغناء عن مضيق هرمز، هل بدأت التحولات الأستراتيجية في المنطقة؟














