لم تعد موجات الحرّ الشديد مجرد مصدر إزعاج موسمي، بل باتت تشكّل تهديداً مباشراً لصحة المصابين بالأمراض المزمنة، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية إلى تفاقم الأعراض الصحية ورفع خطر حدوث مضاعفات قد تستدعي دخول المستشفى.
وتشير دراسات طبية إلى أن مرضى القلب والجهاز التنفسي واضطرابات التمثيل الغذائي والأمراض العصبية هم الأكثر عرضة لتدهور حالتهم خلال فترات الحرّ، مع تسجيل ارتفاع في معدلات مراجعات أقسام الطوارئ، وحتى الوفيات في بعض الحالات. ويعود ذلك إلى الضغط الإضافي الذي يتعرض له الجسم أثناء محاولته تنظيم حرارته من خلال التعرق وتوسيع الأوعية الدموية، وهي آليات تصبح أقل كفاءة لدى المصابين بأمراض مزمنة، وفقاً لما أوردته صحيفة “واشنطن بوست”.
ويؤكد خبراء أن تأثير الحرارة لا يقتصر على حالات الإجهاد الحراري أو ضربة الشمس، بل قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض المرضية حتى قبل الوصول إلى هذه المراحل الخطيرة، إذ تتحول درجات الحرارة المرتفعة إلى عبء إضافي يرهق وظائف القلب والكلى والجهاز العصبي.
ويُعد مرضى التهاب المفاصل من أكثر الفئات تأثراً بموجات الحر، حيث قد تؤدي الحرارة والرطوبة إلى زيادة الالتهاب والتورم وتفاقم الألم. كما يتأثر مرضى النقرس بشكل غير مباشر نتيجة الجفاف، الذي يرفع تركيز حمض اليوريك في الجسم ويعزز تكوّن البلورات داخل المفاصل.
كما ترتبط درجات الحرارة المرتفعة بزيادة خطر الإصابة بحصوات الكلى، نتيجة فقدان السوائل وارتفاع تركيز البول، ما يسهل تبلور المعادن. ويواجه مرضى الكلى المزمنة خطراً إضافياً يتمثل في احتمال تراجع وظائف الكلى بسبب انخفاض تدفق الدم إلى الأعضاء الداخلية خلال فترات الحر الشديد.
وفي ما يتعلق بأمراض الجهاز التنفسي، يعاني المصابون بالربو والانسداد الرئوي المزمن من تفاقم الأعراض نتيجة استنشاق الهواء الساخن، فضلاً عن تراجع جودة الهواء في الصيف بسبب ارتفاع مستويات الأوزون وانتشار العفن، ما يزيد من نوبات الربو ومشكلات التنفس.
وتظهر الدراسات أيضاً أن مرضى الذئبة الحمراء قد يعانون من زيادة الطفح الجلدي وآلام المفاصل خلال موجات الحر، فيما قد يشهد مرضى السكري تقلبات في مستويات السكر في الدم نتيجة الجفاف والتغيرات في تدفق الدم.
أما مرضى القلب، فيواجهون ضغطاً إضافياً مع زيادة ضخ الدم إلى الجلد للمساعدة في تبريد الجسم، ما يرفع العبء على القلب ويزيد خطر الإصابة بالنوبات القلبية، لا سيما لدى المصابين بأمراض الشرايين أو فشل القلب.
كذلك ترتبط موجات الحر بزيادة نوبات الصداع النصفي بسبب الجفاف والتغيرات الجوية والتلوث، إلى جانب ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب نتيجة الإجهاد الحراري واضطرابات النوم، فضلاً عن تأثير بعض الأدوية في قدرة الجسم على تنظيم حرارته.
وينصح الأطباء للحد من هذه المخاطر بالإكثار من شرب المياه، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، واستخدام وسائل التبريد مثل المراوح وأجهزة التكييف. كما يوصون بمراجعة الأدوية قبل فصل الصيف ووضع خطة مسبقة للتعامل مع موجات الحر، إلى جانب الحفاظ على النوم المنتظم والتغذية السليمة لتقليل احتمالات المضاعفات الصحية.














