spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"عاشوراء" تُعيد الحياة للجنوب والضاحية!

“عاشوراء” تُعيد الحياة للجنوب والضاحية!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| خلود شحادة |

لم تنتظر الضاحية الجنوبية لبيروت وعدد كبير من قرى جنوب لبنان، قراراً رسمياً لإعلان عودة الحياة إليها بعد العدوان الإسرائيلي، بل تكفّلت مراسم إحياء ذكرى “عاشوراء” بهذه المهمة.

منذ الليلة الأولى من شهر محرّم، استعادت هذه المناطق جزءاً كبيراً من حيويتها عبر مشهد سنوي بات يتجاوز إطاره الديني، ليتحوّل إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية وسياسية متكاملة.

منذ بداية شهر محرم، تنبض الشوارع الضاحية الجنوبية بحركة غير اعتيادية؛ مجالس عزاء تُقام يومياً، مضائف تنتشر على مداخل الأحياء والطرقات الرئيسية، ومتطوعون يعملون على مدار الساعة لتأمين الخدمات لآلاف المشاركين.

المشهد ذاته في الجنوب، الذي افترش أهله ركام المنازل، لإحياء ذكرى عاشوراء.

مشهد يعكس قدرة المجتمعات المحلية على إعادة إنتاج مساحات الحياة العامة حتى في أكثر الظروف تعقيداً، ويعيد الحياة إلى مناطق كانت حتى وقت قريب تعيش تداعيات العدوان الإسرائيلي المباشر وما خلّفه من دمار ونزوح وتراجع في النشاط الاقتصادي.

وتأتي هذه العودة في لحظة شديدة الصعوبة اجتماعياً واقتصادياً، بعدما ترك العدوان الإسرائيلي آثاراً مباشرة على البنيتين الاجتماعية والاقتصادية للمناطق المستهدفة، من تدمير للمنازل والمؤسسات التجارية إلى تعطّل مصادر الدخل وارتفاع نسب الإنفاق الأسري، في ظل أزمة اقتصادية مزمنة يعيشها لبنان منذ سنوات.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى “المضائف” باعتبارها “تعبير ديني” أو مجرد مظهر من مظاهر الكرم الشعبي، بل كجزء من شبكة تضامن اجتماعي غير رسمية، تؤدي دوراً موازياً لدور الدولة الغائبة، إذ تؤمّن يومياً آلاف الوجبات والمشروبات مجاناً، ما يخفف جزءاً من الأعباء المعيشية عن السكان، ويعيد توزيع جزء من الموارد داخل المجتمع المحلي في فترة تشهد ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة.

ولا يقتصر أثر هذه “المضائف” على المستفيدين منها مباشرة، بل ينعكس على دورة اقتصادية كاملة تبدأ من شراء المواد الأولية من الأسواق المحلية، مروراً بالمطابخ والمحال التجارية ومورّدي المواد الغذائية، وصولاً إلى الخدمات اللوجستية المرتبطة بالنقل والتخزين والتجهيزات التقنية، والطباعة والصوتيات. فمناسبة عاشوراء باتت تشكّل موسماً اقتصادياً مصغّراً يعيد تنشيط الحركة التجارية في مناطق تعاني من ركود متواصل منذ سنوات.

كما برزت خلال السنوات الأخيرة مساهمة الاغتراب اللبناني في دعم هذه النشاطات، إذ يشارك عدد كبير من أبناء الجنوب والضاحية المقيمين في الخارج بتمويل “المضائف” و”المجالس الحسينية”، ما يضخ سيولة مالية إضافية في الاقتصاد المحلي ويعزز الروابط بين المقيمين والمغتربين.

أما على المستوى الثقافي، فقد شهد لبنان انتقال تجربة “المضائف” من العراق إلى بيئته المحلية بصورة أكثر وضوحاً.

فالنموذج العراقي، الذي يُعدّ أحد أبرز ملامح إحياء عاشوراء في مدينتي النجف وكربلاء، وجد طريقه إلى الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان خلال العقد الأخير، حيث جرى تكييفه مع الخصوصية اللبنانية ليصبح جزءاً أساسياً من الهوية البصرية والاجتماعية لهذه المناسبة. ولم يعد حضور المضائف استثنائياً أو محصوراً بمبادرات فردية، بل تحوّل إلى ممارسة منظمة تتنافس فيها الأحياء والجمعيات والأفراد على توسيع نطاق خدماتها.

لم تقتصر كما السابق على “كعك العباس” والأرز و”الهريسة”، بل بات تشمل كل ما لذ وطاب من ما يعرف بـ”fast food”، والحلويات على اختلافها، والفاكهة، وغيرها.

كما يتم تنظيم بعض المضائف التي تقدم الأدوية المجانية، والقرطاسية المدرسة وسواها.

سياسياً، يعكس هذا المشهد قدرة المجتمعات المحلية على ترميم نفسها بعد الحروب، وإعادة التواجد في الفضاء العام عبر أدوات اجتماعية ودينية تتجاوز بعدها الرمزي. كما يبرز نموذجاً بديلاً لإدارة الأزمات في ظل محدودية إمكانات الدولة اللبنانية وتراجع قدرتها على تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين.

فالشوارع التي تصفر ليلاً، تعج بالحياة حتى آخر مجلس في المنطقة.

والناس الذين فقدوا منازلهم في الضاحية أو الجنوب، لم يمنعهم ذلك من إحياء هذه الشعائر الدينية.

تؤكد هذه المشاهد أن المناسبات الدينية لم تعد تُقرأ فقط بوصفها محطات عقائدية، بل باتت تُدرَس كظواهر اجتماعية قادرة على إنتاج شبكات حماية مجتمعية، وتأمين أشكال من التكافل والتعاون تعوّض جزءاً من الفراغ المؤسساتي الموصوف في لبنان.

وفي بلد يعاني من هشاشة اقتصادية ومؤسساتية عميقة، تبدو عاشوراء اليوم أكثر من ذكرى دينية، بل مساحة لإعادة تحريك الدورة الاجتماعية والاقتصادية، وإعلان غير مباشر بأن المجتمعات التي أنهكتها الحرب لا تزال تمتلك القدرة على استعادة نبضها، ولو مؤقتاً، عبر مبادرات تنبع من داخلها لا من مؤسساتها الرسمية.

وإذا كانت الحروب تُقاس عادة بحجم الدمار الذي تخلّفه، فإن قدرة المجتمعات على استعادة حركتها اليومية تبقى المؤشر الأوضح على مسار التعافي.

في الضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني، يبدو أن عاشوراء هذا العام لا تؤدي دورها التقليدي فحسب، بل ترسم ملامح مرحلة انتقالية عنوانها إعادة وصل ما قطعته الحرب، وإعادة بناء الحياة العامة من قلب المجتمع نفسه.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t69768

 

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img