| زينة أرزوني |
ما الذي قدّمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تنازلات وامتيازات لطهران لعدم الرد على “إسرائيل” بعد استهدافها الضاحية الجنوبية؟ وكيف أوقع “حزب الله” وإيران “إسرائيل” في فخ معادلة “الشمال مقابل الضاحية”، وانتزاع بند وقف الحرب في الجنوب والانسحاب الإسرائيلي منه؟
للإجابة على ذلك، علينا الاعتراف أنه في السياسة كما في الحروب، ليست كل الصواريخ هي التي تغيّر المعادلات، وأحياناً تكون مسيّرة واحدة كافية لإعادة رسم حدود التفاوض في المنطقة بأكملها. فكيف إذا كانت هذه المرة ثلاث مسيّرات مفخخة، سقطت إحداها في منطقة عسكرية في الجليل الغربي؟
كان هدفها الأول تثبيت معادلة “الضاحية مقابل الشمال”، أما الهدف المبطن فكان اختبار مدى قدرة ترامب على لجم “الكلاب المسعورة” في حال تم توقيع الاتفاق الأميركي – الإيراني، والذي يندرج ضمن بنوده وقف الحرب على لبنان. ولأن رئيس حكومة الاحتلال يتحرك مدفوعاً بعقليتين: العقلية الإسرائيلية التقليدية القائمة على ضرورة الرد، والعقلية الانتخابية الرازحة تحت ضغط سياسي داخلي كبير يتعلق بجبهة لبنان والاتفاق المرتقب مع إيران، جاء الاستهداف في منطقة الغبيري.
فما إن وصلت الرسالة حتى وقعت “إسرائيل” في الفخ، واعتقدوا في تل أبيب أنهم وجدوا الذريعة المثالية. وقيل إن الفرصة حانت لضرب الاتفاق مع إيران قبل ولادته، فصدرت الأوامر سريعاً: غارة على الضاحية الجنوبية، وتصعيد واسع في الجنوب، ورسالة تقول إن “إسرائيل” ما زالت قادرة على فرض قواعدها الخاصة.
لكن ما إن دوّى انفجار الضاحية حتى بدأت المعركة الحقيقية، وبدأت الأحداث تتجه في مسار معاكس تماماً لما أراده بنيامين نتنياهو.
فالغارة التي أرادتها “إسرائيل” وسيلة لتخريب التفاهم تحولت إلى سبب لتسريع البحث في تثبيت وقف النار والانسحاب من جنوب لبنان. والمسيّرة التي اعتقدت تل أبيب أنها فخ للمقاومة، تحولت إلى أداة كشفت حدود القدرة الإسرائيلية على فرض الوقائع في لحظة إقليمية جديدة.
المشهد انقلب حين استفاق ترامب من نومه، وحمل هاتفه، وبدأ بتوبيخ نتنياهو وكَيْل الشتائم له، حتى إنه قال له: “اذهب إلى الجحيم”، بحسب ما سرّب الإعلام العبري.
ولعدم تخريب الاتفاق، بدأ ترامب بإطلاق تصريحاته، ولعل أبرزها عندما قال إن “الولايات المتحدة باتت على وشك التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يحقق السلام في المنطقة، بما في ذلك لبنان”. وهي المرة الأولى التي يربط فيها الرئيس بشكل مباشر بين الاتفاق المرتقب مع إيران والاستقرار في لبنان، في إشارة واضحة إلى أن لبنان يشكل جزءاً من التفاهم الذي يجري العمل عليه.
والقراءة بين الأحرف التي يبدّل كلماتها ترامب دائماً، كشفت أن بنود الاتفاق بين طهران وواشنطن تؤكد أن إيران وترامب اتفقا على أن لبنان واليمن من حصة طهران، وأنها لن تسمح بسقوط لبنان بيد “إسرائيل”، ولن تقبل بالقضاء على “حزب الله” وسلاحه. وهذا ما أغضب رئيس حكومة الاحتلال، الذي لم ينجح، رغم حربه على لبنان قرابة العامين، في تدمير “حزب الله” والقضاء على ترسانته العسكرية، رغم الدمار والقتل اللذين لحقا بالجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية.
ولعل ما سرّبته صحيفة “معاريف” العبرية عن فحوى إحدى المحادثات الأخيرة بين ترامب ونتنياهو، حين طرح الرئيس الأميركي ما يُعرف في “إسرائيل” بـ”أسوأ سيناريو”، وهو مطلب الانسحاب الإسرائيلي من النقاط الخمس في جنوب لبنان ومن جبل الشيخ السوري، كجزء من تفاهمات أوسع مع إيران، هو أكبر دليل على ذلك.
وفي المعلومات أنه بعد الهجوم على الضاحية، أوقفت إيران التفاوض مع الوسطاء القطريين، لكن في اللحظات الأخيرة، وبعد تقديم تنازلات جوهرية من قبل ترامب في الملف اللبناني، وتأكيد انسحاب العدو الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية، ورفع الحصار البحري عن إيران بشكل فوري، وليس خلال شهر، تراجعت إيران عن الرد على قصف الضاحية.
في تلك اللحظة، بدأ الأميركيون يدركون أن المشكلة لم تعد محصورة بالملف النووي أو بالعقوبات أو حتى بالمواجهة الإيرانية – الإسرائيلية المباشرة، فلبنان تحوّل إلى أحد مفاتيح الاتفاق نفسه.
صحيح أن أحداً لا يعتقد أن الولايات المتحدة قررت التخلي عن “إسرائيل”، لكن ما تغيّر هذه المرة هو أن النقاش داخل الإدارة الأميركية بدأ يتجاوز شخص نتنياهو. فمع كل خطوة تصعيدية كانت تل أبيب تقدم عليها، كانت ترتفع داخل واشنطن أصوات تتساءل عما إذا كانت الحسابات الانتخابية الإسرائيلية أصبحت تهدد المصالح الاستراتيجية الأميركية نفسها.
ومع تصاعد الضغوط الإيرانية والتلويح بعدم استكمال المفاوضات، بدأت تتبلور صيغة أميركية جديدة للملف اللبناني، تقوم على ضمان وقف شامل لإطلاق النار، بالتوازي مع دفع المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية نحو تفاهم أمني ينتهي بانسحاب “إسرائيلي” كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
لكن ما كان يجري في الغرف المغلقة بين الدوحة وإسلام آباد لم يتوقف عند هذا الحد، فقد نقل الإيرانيون موقفاً حازماً من “حزب الله” يقضي بضرورة إدراج الانسحاب الإسرائيلي ضمن صلب مذكرة التفاهم المرتقبة، لأن ذلك سيحوّل أي إخلال أميركي بالتنفيذ، وعدم الضغط على “إسرائيل”، إلى سبب كاف لإعادة النظر بالالتزامات المترتبة على إيران نفسها.
ولم يقتصر الأمر على الانسحاب، فقد طُرحت أيضاً مطالب تتعلق بوقف عمليات الهدم والتجريف في المناطق الحدودية، وضمان انتشار الجيش اللبناني من دون عوائق، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم التي دمرتها الحرب.
ومع قبول ترامب بذلك، شعرت “إسرائيل” بأن الأرض تتحرك تحت أقدامها، وأنها بقيت وحيدة، وأن ما فعلته في لبنان لم يوصلها إلى أهدافها. عندها حاولت نسف الاتفاق باستهداف الضاحية مجدداً، لكن طهران رفعت السقف أكثر، فلم تطلب وقف استهداف الضاحية فقط، بل طلبت وقف القصف على كل لبنان.
عندها وجد ترامب نفسه أمام اختبار حقيقي. لم يعد النقاش حول بيان أو تصريح أو ضمانة سياسية، إنما المطلوب كان قراراً ميدانياً مباشراً. فسارع الرئيس الأميركي إلى إعلان موقفه الداعي إلى وقف العمليات العسكرية في لبنان بالكامل، وأبلغ الوسطاء أنه يعمل على إلزام “إسرائيل” بذلك. ولعل حديث الإعلام العبري عن أن ترامب خان “إسرائيل” هو أكبر دليل على ذلك.
هنا لم يعد السؤال الحقيقي: لماذا قصفت “إسرائيل” الضاحية؟ بل لماذا انتهى الأمر بواشنطن وهي تتفاوض على لبنان، فيما السلطة اللبنانية غارقة في نومها العميق، أكثر مما كانت تتفاوض على إيران؟
ومع الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن إنجازه لن يكون عبر فتح مضيق هرمز أولاً أو إعادة الأموال المجمدة إلى طهران، لأن الاختبار الحقيقي له، ومدى جدية الطرفين، سيكون عبر تطبيقه من لبنان وجنوبه أولاً.
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط














