| مرسال الترس |
من المتعارف عليه تاريخياً، أن لبنان الحالي، منذ الاستقلال عام 1943، أو حتى عندما كان جزءاً من أرض كنعان قبل آلاف السنوات التي سبقت ظهور السيد المسيح، لم يكن يوماً إلا ممراً للجيوش الجرارة التي كانت تأتي من الشمال والشرق لغزو مصر، أو بالعكس، باستثناء حقبة محدودة من المقاومة أبدتها مملكة صور (التي هي جزء من هذا لبنان) في وجه الإسكندر المقدوني وقلائل من أمثاله، عندما وطئت حوافر خيولهم هذه الأرض التي يصنفها المسيحيون على أنها مقدسة، انطلاقاً من أن السيد المسيح أظهر فيها بعض عجائبه.
وربما على هذه الخلفية التاريخية، تعمّد مؤسس حزب “الكتائب” بيار الجميل، تكرار مقولة “إن قوة لبنان في ضعفه”، إذ لا قدرات عسكرية لديه لمواجهة “إسرائيل” التي تحولت إلى “حاملة طائرات” غربية، وربما لأسباب أخرى خفية. إلى أن خططت “المقاومة الفلسطينية”، منذ النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، لمحاربة مغتصب وطنها انطلاقاً من أرض لبنان، وتحديداً من منطقة العرقوب الحدودية، لتكون “فتح لاند” التي “وهبها” اتفاق القاهرة عام 1969 لأولئك المقاومين، كي تكون رأس حربة لهم من الجنوب اللبناني لاستعادة ما خسروه، فكانت بداية الوبال على تلك البقعة الرائعة من الهضاب والوديان، التي شهدت في الأشهر الماضية فقط محو ستين قرية عن بكرة أبيها.
وأتت “حرب السنتين” لتكرّس واقع ضعف لبنان نتيجة الصراعات التي فرّقت أهله وقسّمتهم، كما قسّمت عاصمتهم إلى شرقية وغربية، وكادت أن تحول هذا الشعار إلى واقع، حتى انبثاق المقاومة عام 1982 لتقلب المعادلة رأساً على عقب، وتتوج بطولاتها عام 2000 بإجبار المحتل الإسرائيلي على مغادرة الجنوب اللبناني هرولة، بعد أن كان احتل العاصمة اللبنانية وأوصل رئيساً للجمهورية.
وها هي البروباغندا السياسية اللبنانية، بعد ستة عقود، تعيد تظهير مشهد مشابه لما كان عليه الوضع من قبل. ففي حين تحاول المقاومة في لبنان مواجهة قوات الاحتلال، ينجح الإعلام الموجّه في شيطنتها، ربطاً بمساندتها لنظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، والحرب على غزة، وإيران. وقد انبرت حكومة الرئيس نواف سلام لتعتبرها خارجة على القانون، فيما أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون أفضلية التوجه نحو المفاوضات المباشرة تحت عنوان “حان الوقت لتفوّق قوة المنطق على منطق القوة”. في حين أطل وزير العدل، الممثل لحزب “الكتائب” في الحكومة، عبر إحدى الشاشات ليقول: “على حزب الله تسليم سلاحه لتعزيز موقفنا خلال المفاوضات”. وأمثاله في الحكومة كثر، بينما يتشبث البطريرك الماروني بشارة الراعي في عظاته بفكرة حياد لبنان، في حين أن دستوره ينص على العداء لـ”إسرائيل”.
أما في تل أبيب، فإن زعيم المعارضة في الكيان الإسرائيلي، يائير لابيد، أعلن مؤخراً أن القوة العسكرية في “إسرائيل”، بما فيها سلاح الجو بكل جبروته، لم تنجح في تغيير المعادلة الاستراتيجية، انطلاقاً من أن المقاومة في لبنان ما زالت فاعلة وتهدد شمال الكيان، برغم كل الضربات غير المسبوقة التي لحقت بها، مشدداً على وجوب التوصل إلى إطار سياسي للأمن باعتباره الحل الأمثل، لأن العمليات العسكرية عجزت عن إنتاج الأمن. فيما يكتب المفكر اليهودي موشي مائير في صحيفة “يديعوت أحرونوت”: “إن الورقة الوحيدة التي تمتلكها الدولة اللبنانية ضدنا هي ورقة المقاومة، سواء للحرب أو للتفاوض”.
ولذلك يبقى السؤال: أي المقولتين ينبغي أن تتقدم اليوم؟
*للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط*














