spot_img
spot_img
الرئيسيةأمن و قضاءإيران والمقاومة: تمتين التحالف عبر استراتيجية جديدة

إيران والمقاومة: تمتين التحالف عبر استراتيجية جديدة

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| ابراهيم الأمين |

«لعبة أكسيوس» عبارة يستخدمها أحد العاملين على خطّ الوساطات والمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ويصفها بأنها الأداة الأقرب إلى قلب دونالد ترامب. وهو ينصح بعدم الاستخفاف بما يقوم به الرئيس الأميركي، مشيراً إلى وجود قناعة راسخة في واشنطن بأن ترامب لا يولي أهمية كبيرة للانتقادات المتعلّقة بأسلوبه في الكلام أو تذبذب مواقفه أو تناقضها، إذ إنه يؤمن بأنّ «التضليل سمة أساسية لمن يفاوض من أجل الحصول على صفقة جيدة».

ترامب، الذي دخل هذه الحرب من حسابات خاصة به أولاً وأخيراً، بدأ مع مرور الوقت يدرك أنّ الأمور لا تسير وفق الإيقاع الذي كان يتصوّره. ومع تزايد المؤشرات لدى الدوائر العسكرية والأمنية عن وجود انسداد في المسار، أخذ الخطاب يتجه نحو خيارين: إمّا الذهاب إلى تسوية كبرى سريعة، أو اللجوء إلى تصعيد واسع النطاق. لكنّ فشل الخطة الأولى التي راهنت على ضربات تُحدِث فوضى داخلية تمهّد لانقلاب داخل إيران نفسها، جعل من الصعب إعادة استخدام الأدوات نفسها في أي حرب مقبلة. ومتى توفّرت الرغبة في حرب من نوع مختلف، فإن ذلك يستدعي استعدادات أوسع بكثير، عسكرياً وأمنياً ومالياً.

قبل نحو أسبوع من إعلان وقف إطلاق النار في نيسان الماضي، كانت المستويات العسكرية والأمنية في واشنطن قد باتت أكثر مقتنعة بأن ميزان القوى لا يسمح بإخضاع إيران، وأن تحقيق الأهداف المُعلنة يتطلّب جهداً عسكرياً واسعاً، يقوم أساساً على خيار الهجوم البري.
لكنّ «صراخ الجيران» كان يتصاعد بوتيرة سريعة.

فقد كثّفت قيادات السعودية وقطر والكويت اتصالاتها اليومية مع الجانب الأميركي بحثاً عن مخرج يحدّ من تمدّد المواجهة. ورغم أن هذه الدول لا تتبنّى موقفاً موحّداً بالكامل، وتتمايز عن دولة الإمارات التي ورّطت نفسها في تحالف كامل مع إسرائيل، فإن القلق المشترك كان حاضراً من أن توسّع الحرب سيتسبّب لها بمشكلات تفوق قدرتها على التحمّل. ورغم التعتيم الإعلامي لإخفاء حجم الأضرار الفعلية التي تسبّبت بها الضربات الإيرانية، إلا أن حُكام الخليج ومواطنيه يدركون أنها دمّرت قواعد أميركية ومنظومات عسكرية حديثة تابعة لدول المنطقة. غير أن التهديد الأكثر حساسية تمثّل في إغلاق الممر البحري الذي يمثّل أهم شرايين الحياة لهذه الدول، سواء على مستوى استيراد السلع أو تصدير نفطها وغازها.

عندها، وجد الأميركيون أنفسهم مضطرّين إلى الذهاب إلى وقف إطلاق النار. ولا يعني ذلك بالضرورة أن إيران كانت تسعى إلى استمرار الحرب، لكنها في المقابل لم تكن في موقع يفرض عليها تقديم تنازلات لذلك. وفي المقابل، كانت طهران تأمل أن يشمل وقف الحرب لبنان، غير أنّ ذلك لم يتحقّق، ليس فقط بسبب رفض إسرائيل، ولكن أيضاً لأن الأميركيين لا يريدون ذلك، لأنه يشكّل ضربة كبيرة لمشروع ضخم بدأوه في لبنان وسوريا والمنطقة منذ خريف 2024.

لكنّ حسابات إيران والمقاومة في لبنان لا تتوقّف عند حدود تقديرات أعدائهما. فقد كان واضحاً أنّ المناورات العسكرية الإسرائيلية ستتواصل، وأنّ المقاومة لا تضع في اعتبارها منع توسّع الاحتلال بأيّ ثمن، بقدر ما تسعى إلى تكريس «عقيدة الإيلام»، التي تحوّلت مع الوقت إلى كابوس لضباط العدو وجنوده. فسقوط ما مُعدّله 25 إسرائيلياً يومياً بين قتيل وجريح ليس بالأمر السهل. ويدرك الخبراء في الميدان طبيعة المعارك التي حصلت خلال الشهرين الماضيين، ويعرفون أن المقاومة طوّرت الكثير من أدوات عملها، وهو ما انعكس توتّراً لدى العدو الذي يلجأ كعادته إلى القتل والتدمير الواسع. وقد أسهم هذا المسار في نقل مستوى النقاش بين حزب الله وإيران إلى مستوى جديد، وأوجب تعديلاً جوهرياً في الاستراتيجية التي يتّبعانها.

وفي الحساب السياسي، من السذاجة الافتراض أنّ إيران ستتخلّى عن حزب الله أو تتركه وحيداً، وهو ما يشكّل أحد الثوابت الأساسية في العقيدة السياسية لما بعد الثورة الإسلامية. وقد أخذ هذا الموقف بعداً أكثر حضوراً على المستوى الشعبي، خصوصاً بعد المواجهات الأخيرة مع إيران. وبعد جولات من التشاور بين قيادة حزب الله والقيادة الإيرانية حول طبيعة المرحلة المقبلة، لم تتأخّر طهران في إعلان استعدادها للذهاب بعيداً في المواجهة، وهو ما مهّد لما جرى خلال الأيام الماضية، حين بادر الحرس الثوري إلى قصف مواقع في الكيان رداً على استهداف الضاحية، وهو أمر قابل للتكرار في أيّ لحظة.

غير أنّ الأهمية لا تقتصر على البعد العسكري المباشر، بل تمتدّ إلى الإطار العام للحرب. وبهذا المعنى، يوجّه القرار الإيراني إشارة واضحة إلى واشنطن، تتجاوز الاستعداد لاحتمال استئناف الحرب، إلى حدود أن إيران قد تجد مصلحة في العودة إلى الحرب، ما دام الأميركيون يرفضون السير في اتفاق يشمل لبنان بشكل واضح، بعيداً عن بهلوانيات العاملين على ملف الحوار بين إسرائيل وسلطة الوصاية في لبنان.

قبل أيام، كتب الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، والقائد السابق للفيلق الشمالي، ومدير معهد دراسات الأمن القومي تامير هايمان، مقالاً عرض فيه وجهة نظر الكيان بشأن طبيعة العلاقة الراهنة بين إيران وحزب الله. وقد استعاد في تحليله مسار تدرّج المواجهة المباشرة مع طهران، منذ اغتيال أحد قادة الحرس الثوري في دمشق، ثم اغتيال القائدين السيد حسن نصرالله وإسماعيل هنية، مروراً بحرب الـ12 يوماً في حزيران من العام الماضي، وصولاً إلى الحرب الحالية، مع التركيز بشكل خاص على الجولة الأخيرة التي وقعت قبل أيام.

ويقول هايمان إن «الجديد في الجولة الحالية هو أنها تمثّل أول اختبار للمرشد الجديد، انطلاقاً من حرصه على الوفاء بتعهّداته وتنفيذ تهديداته»، كما أنها «رسالة قوة وثقة بالنفس للشعب الإيراني، ورسالة حزم في المفاوضات، إضافة إلى رسالة تغيير المعادلات، من خلال إعادة وحدة الساحات والمحور الشيعي إلى الواجهة».

بالنسبة إلى هايمان، الذي عمل طويلاً على ملفات تخصّ إيران وحزب الله، الأهم اليوم هو أن «إيران تحمي حزب الله، بدلاً من أن يحمي حزب الله إيران بردع إسرائيل، وهو تحوّل استراتيجي، لأن إيران تسعى إلى نصرٍ قائم على إنجازات جديدة، بفرض السيادة على مضيق هرمز ومعادلات ردع أوسع تشمل لبنان».

ما يفيد في هذا السياق، هو فهم حجم التحوّل في الاستراتيجيات العسكرية والسياسية لدى إيران وقوى محور المقاومة، وهو تحوّل جدّي وكبير جداً، وستكون له تداعياته الكبيرة مع الوقت، سواء في ما يتعلّق بالمعركة القائمة لناحية حجم المشاركة الإيرانية المباشرة فيها، أو لجهة اعتبار طهران صمود حزب الله خياراً استراتيجياً تخاض الحروب من أجله. وهو ما يمثّل عنصر القلق الأبرز لدى أميركا وإسرائيل، وينعكس توتّراً وتخبّطاً في تصرّفات حلفائهما، من السعودية إلى تركيبة السلطة في لبنان.

المقاومة تخوض هذه الحرب لتحقيق أهداف قد تتطلّب مواجهات أكثر قساوة ووقتاً أطول. لكنّها حرب لا بدّ من خوضها بكلّ القدرات المتوافرة، وبحكمة وعقل بارد.

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img