spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderعندما يذوب الثلج.. يظهر المرج!

عندما يذوب الثلج.. يظهر المرج!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

 

كان يُفترض أن ينجز وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جولة خليجية سريعة لوضع “الدول الصديقة” في أجواء ما يجري بين واشنطن وطهران، إلا أن ما كان متوقعاً لم يحصل، لأن الأسباب الموجبة لم تكتمل بعد لتحديد التوقيت وجدول المواعيد.

المفاوضات لا تزال تتأرجح بين هبّة باردة وأخرى ساخنة. الوسيط الباكستاني لم يضع توقيعه على أي مسودة ناجزة حول “إعلان النوايا”. والاتصالات الهاتفية بين واشنطن وعواصم دول الخليج مستمرة تبعاً للمستجدات. وأزمة الطاقة تُعالج بحلول مؤقتة وسريعة بانتظار جلاء الموقف في مضيق هرمز. أما المسارات الدبلوماسية الناشطة، فلا تزال مكبّلة بالأعمال العسكرية المستمرة لتحسين شروط التفاوض.

هل هذه الأسباب مقنعة؟

الجواب حتماً لا. وما تحجبه الكواليس الدبلوماسية أدهى من المعلن.

يعتزم روبيو، من خلال جولته التي لا تزال قيد الإعداد، معالجة أزمة الثقة.

فطريق العلاقة بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة مفروشة بالكثير من علامات الاستفهام. لقد فرضت الحرب الأميركية – الإسرائيلية واقعاً جديداً في المنطقة، ومساراً مختلفاً تسوّره غشاوة من القلق وعدم وضوح الرؤية. فيما تبدو “الفاتورة” باهظة، وما تعرّضت له هذه الدول فاق كل تصور، بذريعة أنها تستضيف قواعد عسكرية أميركية.

حتى طاولة المفاوضات لم تحجز مكاناً يليق بمكانة دول مجلس التعاون. وهذا لا يعني أنها بعيدة عما يجري وراء الأبواب المغلقة. فالوسيط الباكستاني لا يقصّر في هذا المجال، والباب مفتوح على مصراعيه بين إسلام آباد والرياض للتشاور حول كل مستجد، فيما القنوات الدبلوماسية تعمل في كل الاتجاهات. لكن طبيعة العلاقة كانت تفرض قدراً مهماً من المشاركة الفعلية في المعترك الدبلوماسي، استناداً إلى حقائق التاريخ وثوابت الجغرافيا، ذلك أن دول مجلس التعاون لا تبعد سوى أميال معدودة عن الجار الإيراني، فيما تقع الولايات المتحدة على بعد آلاف الأميال.

والأدهى أن الدبلوماسية الأميركية تعير اهتماماً استثنائياً لـ”التطبيع” و”الاتفاقات الإبراهيمية”، وكيفية دفع السعودية ودول أخرى نحو المسار الإسرائيلي والصعود إلى “القطار الإبراهيمي”، فيما أزمة مضيق هرمز تدور في الحلقة المفرغة، ويدور معها جهد مكثف من المساعي للتفاهم على مواصفات اليوم التالي في الشرق الأوسط.

لقد كلّف الرئيس دونالد ترامب صهره جاريد كوشنر ومستشاره ستيف ويتكوف القيام بمعالجة النواتئ والثغرات وتمهيد الطريق نحو التطبيع، ولم يكلّف موفداً مرموقاً إلى دول مجلس التعاون لـ”تطبيع العلاقات” حول كيفية التعاطي مع الحرب وتداعياتها.

بالطبع لن تتدهور العلاقات وتتطور باتجاه المحظور. لكن ما بعد الحرب ليس كما قبلها. هناك وقائع جديدة وحسابات مختلفة. جدار الثقة اهتز ويحتاج إلى ترميم. والقواعد العسكرية التي انتشرت تحت شعار تأمين الحماية لدول الخليج تحولت إلى سبب وذريعة للعدوان. كما أن التعاطي مع أزمة الطاقة لم يكن مشرّفاً، ولم يراعِ ترامب مصالح “الشركاء الحلفاء”. وبعد سيطرته على نفط فنزويلا، أصبح أسلوبه أكثر استعلاءً وتفرّداً.

ومشكلته مع الخليج تشبه مشكلته مع لبنان. فلم يقدم دعماً للحكومة يمكن أن تستند إليه في مفاوضاتها المباشرة، ولم يُرغم “إسرائيل” على الانكفاء، ولم يُلزمها بوقف الجرف والنسف والتدمير، بل يسايرها ويراوغ ويكتفي ببعض العتب حفاظاً على ماء الوجه، فيما يملي على بيروت شروطاً أكبر من قدرة الحكومة على احتوائها.

حتى قرار وقف إطلاق النار لم يكن يليق بدولة بحجم الولايات المتحدة وقدراتها. لقد تعاملت معه كمشروع ابتزاز، لا كمشروع لدعم المفاوضات. إنه حاضر على الطاولة الإيرانية – الباكستانية – الأميركية. وهو في صميم العلاقة المتوترة والمتذبذبة بين نتنياهو وترامب. وهو أيضاً على خط الاتصال والتواصل والتنسيق بين طهران وحارة حريك. كما أنه في ملف السفير ميشال عيسى الذي يطوف به على بعبدا والسرايا وعين التينة.

هل تتطلب المصداقية الأميركية كل هذه المعاناة من اللف والدوران، وهي القادرة على تربيع المستطيل؟ أم أن سياسة المصالح تتطلب دبلوماسية زئبقية متقلبة، تتبدل بتبدل مواقف ترامب التي لا تستقر على ثابت ولا تستند إلى وضوح؟

حتى المعادلات الأمنية التي راج الحديث عنها خلال الأيام القليلة الماضية طرحت علامات استفهام حول حقيقة الموقف الأميركي منها.

هل أن واشنطن رافضة للشروط الإيرانية حول قرار وقف إطلاق النار، أم أنها شريك مؤازر وداعم تقتضيه ضرورات المفاوضات؟ وهل تعارض الضمانات الأمنية الإيرانية للضاحية، أم تغض الطرف وتترك المسألة في عهدة التسوية الإسرائيلية ـ الإيرانية ـ “حزب الله” التي بدأت معالمها تلوح في الأفق؟

يقول المثل الشعبي: “عندما يذوب الثلج، يظهر المرج”. وعندما تنتهي الحرب ستظهر التداعيات، وستكون مكلفة بالنسبة إلى الولايات المتحدة ومصداقيتها ومواقفها المتقلبة وسياستها الاحتوائية الشرهة التي تتحكم بها عقدة المصالح.

لا يدور الحديث هنا عن الثغرة في علاقة بنيامين نتنياهو مع ترامب، والتي تزداد عمقاً واتساعاً هذه الأيام، بل عن الثغرات المستحدثة في جدار الثقة بين دول مجلس التعاون والإدارة “الترامبية”. والعبرة السائدة راهناً أن الاعتباطية والابتزاز لا يشكلان قاعدة لعلاقات سوية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بقدر ما يقودان إلى علاقات تسوّرها الشكوك وتتكاثر فيها علامات الاستفهام.

وتبقى علامة الاستفهام الكبرى من نصيب لبنان: ماذا تريد الولايات المتحدة من المفاوضات المباشرة؟ وأي لبنان تريد؟

 

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c

 

 

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img