| إيڤاريتا جعفر |
لم يكن استهداف العدو الإسرائيلي لشقة سكنية “فارغة” في الضاحية الجنوبية لبيروت مجرد فعل عسكري موضعي، بل كان قنبلة سياسية فُجّرت عمداً تحت طاولة المفاوضات القائمة بين واشنطن وطهران، في محاولة للإطاحة بهذه المفاوضات. هذا ما أكدته وسائل إعلام إسرائيلية صرّحت علناً بأن الجيش لم يستهدف الشقة لما تحمله من قيمة عسكرية، بل اختيرت بدقة بسبب موقعها الجغرافي في قلب الضاحية، في محاولة لتقديم هذه الضربة بوصفها “رسالة ردع”.
جاء هذا الإصرار الإسرائيلي على ضرب الضاحية تحدياً، ومحاولة لكسر التهديد الإيراني الواضح الذي توعّد سابقاً بوضع “شمال الأراضي المحتلة تحت النار”، لتأتي الضربة بمثابة “كمين سياسي” يلتف على التهدئة التي تفاخر دونالد ترامب بصناعتها، ما فجّر في نهاية المطاف رداً إيرانياً مباشراً أعاد خلط الأوراق الإقليمية بالكامل. ويجري الحديث الآن عن إسراع بإعلان نتائج الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بالإضافة إلى إعلان وقف إطلاق نار شامل في لبنان.
بدأ المشهد حين سارعت وسائل إعلام العدو الإسرائيلي وجيشه إلى إصدار إنذارات بوجوب إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت، مروّجة لنية استهداف مقار ومراكز تابعة للمقاومة. كان الهدف الإسرائيلي واضحاً: فرض معادلة تهجير وترهيب جديدة داخل العاصمة اللبنانية كأمر واقع. غير أن هذا الاندفاع العسكري سرعان ما ارتطم بجدار الردع الإقليمي، إذ جاء الرد حاسماً وقاطعاً من طهران عبر تهديد مباشر بوضع “شمال الأراضي المحتلة تحت النار” في حال نُفّذت تلك التهديدات.
أمام هذه المعادلة الصارمة التي وضعت المنطقة برمتها على حافة حرب شاملة، اضطر العدو إلى التراجع خطوة إلى الوراء وكبح جماح ضربته المؤجلة. وقد وجد دونالد ترامب في هذا التراجع المؤقت فرصة سياسية سانحة، فسارع إلى تبنّي دور “صانع السلام” و”المايسترو” الذي نزع فتيل الانفجار، مستعرضاً نفوذه في لجم التصعيد لأهداف وحسابات انتخابية وسياسية خاصة به.
لكن هذا الهدوء المؤقت لم يدم طويلاً؛ فبعد أيام قليلة من التراجع، عاد العدو الإسرائيلي لينفّذ ضربته باستهداف شقة سكنية في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت. ورغم أن الشقة كانت فارغة ولم تحقق إنجازاً عسكرياً يُذكر، فإن دلالتها السياسية كانت واضحة: محاولة لترميم هيبة جيش العدو أمام مستوطنيه، وفخاً متفجراً لتعطيل مسار الدبلوماسية القائم بين واشنطن وطهران. ولم يتأخر السيناريو المتوقع؛ فبعد بضع ساعات فقط على ضرب الضاحية، جاء الجواب المباشر من طهران التي قصفت مناطق عدة في الأراضي المحتلة، في خطوة تثبت أن محاولات العدو للالتفاف على معادلات الردع قوبلت بإرادة إيرانية حاسمة لتثبيت هذه المعادلات بالنار، مهما كانت النتائج.
وفي قراءة للمشهد الدبلوماسي الذي رافق هذه الجولة، يتضح حجم الإرباك والتناقض في الموقف الأميركي. فبينما سارعت وسائل الإعلام الأميركية، فور وقوع ضربة الضاحية، إلى التأكيد أن العملية تمت بتنسيق كامل ومسبق مع الولايات المتحدة، جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتكشف عن حسابات مغايرة، وكواليس لافتة. إذ خرج ترامب ليتبرأ علناً من التنسيق مع العدو الإسرائيلي في استهداف الضاحية الجنوبية، مصرحاً بأنه لم يكن مرحباً بفكرة هذه الضربة من الأساس. ولم يقف التراجع عند هذا الحد، بل إنه فور تلقي الكيان المحتل الرد الصاروخي الإيراني الأول، تبدلت النبرة تماماً، فجاءت تصريحاته حاسمة في المطالبة بـ”ضرورة وقف إطلاق النار فوراً، وأن هذا القدر من التصعيد يكفي”. ويعكس هذا التذبذب الأميركي بوضوح إدراك واشنطن خطورة الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير محسوبة النتائج، ومحاولتها النزول عن شجرة التصعيد بعدما فرضت الصواريخ معادلتها الأولية على الأرض.
لم يتأخر صراع الإرادات الميداني في الترجمة على الأرض عبر ضربات عسكرية أوسع وأكثر قسوة؛ إذ وجّهت طهران صواريخها الباليستية نحو عمق الكيان، مستهدفة بشكل مباشر قاعدتي “نيفاتيم” و”تل نوف” الجويتين، اللتين تُعدّان من الركائز الأساسية لسلاح الجو الإسرائيلي. وفي المقابل، ردّ العدو الإسرائيلي بشن غارات جوية استهدفت أنظمة الدفاع الجوي الاستراتيجية في طهران ومناطق أخرى، وطالت نيرانه أهدافاً حيوية شملت أجزاء من مجمع البتروكيماويات في منطقة “بندر ماهشهر” ومستودعات عسكرية. ويعكس هذا الانتقال المباشر والسريع من ضرب “شقة فارغة” في الضاحية إلى تبادل القصف الاستراتيجي بين القواعد والمطارات العسكرية ومنشآت الطاقة، خطورة هذه الجولة التي تجاوزت قواعد الاشتباك القديمة ووضعت المنطقة أمام واقع جديد.
أبعد من تفاصيل الأهداف العسكرية، حمل هذا الرد أبعاداً سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية؛ فقد وفت طهران بالوعد الذي قطعته علناً أمام المجتمع الدولي والمنطقة، وثبّتت بالنار معادلة ردع حاسمة كانت الدولة اللبنانية، بمؤسساتها الرسمية، عاجزة عن فرضها أو حماية سيادتها من خلالها. فحين أعلنت إيران سابقاً أن أي استهداف للضاحية الجنوبية لبيروت سيُقابل فوراً باستهداف مناطق في الشمال وعمق الأراضي المحتلة، لم يكن الأمر مجرد مناورة كلامية. وجاءت صواريخ الرد الأخير لتترجم هذا التهديد إلى واقع ملموس، مؤكدة أن حماية العاصمة اللبنانية لم تعد خاضعة للتوازنات المحلية الهشة، بل باتت جزءاً لا يتجزأ من معادلة إقليمية كبرى تفرضها القوة، وتجبر العدو على التفكير ألف مرة قبل تخطي الخطوط الحمراء.
ومع ذلك، لم يمر هذا الرد الإيراني من دون أن يثير موجة واسعة من التساؤلات والانقسام داخل الساحة اللبنانية، وتحديداً في الأوساط الشيعية وعموم الرأي العام اللبناني. فقد طرحت هذه الجولة علامات استفهام مقلقة لدى كثيرين: لماذا تحركت طهران بكل ثقلها وقصفت الكيان المحتل بقوة لمجرد استهداف “شقة فارغة” في الضاحية الجنوبية، في حين أنها غضّت الطرف ولم تفعل ذلك طوال الأشهر الماضية، فيما كان الجنوب اللبناني بأكمله يتعرض للتدمير، وتُهجّر عائلاته وتُقصف قراه؟ وقد فتح هذا التفاوت في رد الفعل الإيراني الباب أمام جدل واسع، إذ اعتبر البعض أن طهران لا تتحرك إلا عندما يُمسّ أمنها القومي ومصالحها المباشرة، ما جعل الشارع يعيش حالة من التشتت بين الترحيب بالردع والعتب على تأخر هذا الرد، فيما كانت الدماء والبيوت في الجنوب ترقد تحت الأنقاض.
لكن الجواب المنطقي على هذا التساؤل تكمن في طبيعة المعركة نفسها؛ فالواقع في الجنوب اللبناني ليس مجرد ساحة لتبادل الرسائل السياسية، بل هو مواجهة عسكرية مباشرة وضارية يخوضها المقاومون على أرضهم لمنع العدو من تثبيت احتلاله الجديد. فبعد التوغل الإسرائيلي الأخير الذي وصل فيه جيش الاحتلال إلى نقاط استراتيجية وحيوية، مثل منطقة الشقيف وبلدتي زوطر الشرقية والغربية، فرض الميدان نفسه كقضية تحرير ومشروعية مطلقة تكفلها القوانين الدولية لطرد المحتل.
أما البعد الأكثر تعقيداً في تفسير هذا التفاوت يكمن في كواليس الدبلوماسية وصراع الغرف المغلقة؛ إذ نرى أن عدم تحرك طهران عسكرياً بالزخم نفسه من أجل الجنوب يعود بالدرجة الأولى إلى اصطدام المفاوضات غير المباشرة مع واشنطن بجدار الشروط الأميركية المتصلبة. فالإدارة الأميركية، ومن خلفها العدو الإسرائيلي الذي بات يخوض هذه المعركة بوصفها “حرباً وجودية”، يرفضان بشكل قاطع التنازل عن “الإنجاز الميداني” المتراكم الذي حققه جيش الاحتلال بالتوغل في مناطق استراتيجية وحساسة، مثل الشقيف وبلدتي زوطر، وهو “إنجاز” تراكم عبر محطات قاسية بدأت مع حرب الإسناد، مروراً بحرب الـ66 يوماً، وصولاً إلى الحرب القائمة اليوم.
إن لغة المصالح بين الدول لا تعترف بالعواطف، ولا يمكن للعدو أن يتنازل على طاولة المفاوضات عما يعتبره مكسباً استراتيجياً لأمنه المستقبلي. لذلك فإن طهران وجدت نفسها أمام معادلة دولية مقفلة، تحولت فيها تضاريس الجنوب إلى ورقة ضغط يرفض المحور الأميركي – الصهيوني المقايضة عليها، ما يفرض حقيقة واحدة: أن جبهة الجنوب لن تحررها أروقة الدبلوماسية، بل فرض التراجع على العدو بالنار والمواجهة المباشرة.
في المحصلة، يمكن القول إن هذه الجولة الاستثنائية من المواجهة شكّلت طارئاً إقليمياً ودولياً سرّع إعلان الاتفاق وكبح آلة التدمير الإسرائيلية، وأعادت رسم خريطة الردع بالدم والنار لا بحبر الاتفاقيات. فبين صواريخ طهران التي هزّت عمق القواعد العسكرية للكيان، وتراجع النبرة الأميركية الذي تجسّد في ارتباك تصريحات ترامب ومطالبته بوقف فوري لإطلاق النار، اتضح أن لغة القوة هي الوحيدة القادرة على كبح الغطرسة الإسرائيلية.
وبين التصريحات الدولية المتضاربة والانقسامات الداخلية اللبنانية، تبدو هذه المعركة، التي يخوضها العدو باعتبارها حرباً وجودية، مؤكدة في نهايتها حقيقة واحدة وثابتة: أن مستقبل هذه الأرض لن تصنعه طاولات التفاوض الدولية، بل ستكتبه صلابة الأرض وبنادق المقاومين في الميدان، فهم وحدهم القادرون، بالنار والمواجهة المباشرة، على كسر غطرسة الاحتلال وإجباره على التراجع.














