spot_img
spot_img
الرئيسيةشريط الاحداثشبحُ يمينٍ فاشي فوق كولومبيا

شبحُ يمينٍ فاشي فوق كولومبيا

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| لينا بعلبكي |

تتجه كولومبيا نحو جولة إعادة حاسمة في 21 حزيران المقبل. فهل تنتهي محاولة «الانعتاق» بانتهاء ولاية بيترو وعودة اليمين المتطرّف إلى الحكم – مع ما يحمله ذلك من تكريس لهيمنة الولايات المتحدة على هذا البلد -، أم تكتمل القوة التأسيسية الشعبية بقيادة سيبيدا؟

لم تحسم صناديق الاقتراع في كولومبيا هوية الرئيس الجديد الذي يُفترض أن يَخلف غوستافو بيترو (2026-2030)، لتتّجه البلاد، والحال هذه، نحو جولة إعادة حاسمة في الحادي والعشرين من حزيران الجاري. ففي الجولة الأولى التي جرت الأحد الماضي، عجز أيّ من المرشّحين عن تجاوز عتبة الـ50% الحاسمة، ممّا دفع إلى مواجهة مباشرة ومنتظَرة بين خيارَين نقيضَين: المحامي اليميني المتطرّف أبيلاردو دي لا إسبرييا، المنتمي إلى قائمة «مدافعو الوطن»، والذي حلّ أولاً بحصده 10,338,440 صوتاً (43.73%)، والمرشّح اليساري عن تحالف «الميثاق التاريخي» الحاكم، إيفان سيبيدا، الذي نال 9,673,390 صوتاً (40.91%).

وفي وقت كرّس فيه تقارب هذه النتائج شبه النهائية الانقسام العمودي الحادّ في البلاد، تلقّت الحركة «الأوريبية» اليمينية المتطرّفة هزيمة تاريخية مدوية؛ إذ تهاوت مرشحتها بالوما فالنسيا إلى المركز الثالث بنسبة لم تتعدَّ 6.92% (نحو 1.6 مليون صوت). وهي نسبة تقلّ بكثير عمّا كانت أفرزته استطلاعات الرأي، وحتى عن الأصوات التي نالتها فالنسيا في الانتخابات التمهيدية في آذار الماضي، حيث اختيرت كمرشّحة عن حزب «المركز الديمقراطي».

وإذ يؤشر ذلك إلى تصدّع الخريطة التقليدية لليمين التقليدي الكولومبي، فإن لا إسبرييا قد يتمكّن من استقطاب أصوات التيار «الأوريبي» في جولة الإعادة، ممّا يعزّز فرصه في الفوز، علماً أن الانقسامات داخل هذا التيار، والتي تجلّت في السجالات العلنية بين الرئيس السابق ألفارو أوريبي، والمرشح لا إسبرييا نفسه، تجعل التقارب الانتخابي المشار إليه أكثر تعقيداً. أمّا قوى الوسط ممثلةً بسيرخيو فاخاردو، وإدنا بونيّا (نائباً)، فجاءت في المركز الرابع بنحو 4.26% من الأصوات، في حين تذيّلت أصوات بقيّة المرشحين التسعة، ومن بينهم رئيسة بلدية بوغوتا السابقة كلوديا لوبي، السباق الانتخابي، دون عتبة الواحد في المئة.

على أن اللافت ما أظهرته أرقام «الهيئة الوطنية للسجل المدني» من ارتفاع في نسبة المشاركة في الاستحقاق الانتخابي؛ إذ بلغت 57.77% (أكثر من 23.9 مليون ناخب)، متجاوزةً النسبة المسجّلة في انتخابات 2022 (54.9%)، في وقت وُثّقت فيه مشاركة لافتة للجاليات الكولومبية في الخارج عبر 116 قنصلية. غير أن هذا الارتفاع في الإقبال، والهدوء النسبي الذي رافق العملية الانتخابية، لم ينعكسا على المناخ السياسي الذي اشتعل مبكراً بـ«شبهات التزوير». إذ سارع سيبيدا – ونائبته آيدا كيلكوي – إلى التنديد بـ«مخالفات جوهرية» شابت العملية الانتخابية، كاشفاً عن رصد 850 ألف ناخب إضافي «مجهول» على اللوائح الرسمية، فضلاً عن نتائج «غير اعتيادية» في عدد من مراكز الاقتراع، مؤكداً أنه لن يعترف بالنتائج قبل صدور التدقيق النهائي للجان الانتخابية.

وتقاطع هذا التنديد مع موقف حادّ للرئيس بيترو، الذي قاد هجوماً علنياً عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي تصريحاته عقب الإدلاء بصوته، موجّهاً سهامه نحو البنية التقنية للانتخابات. وتساءل بيترو عن الخلفيات السياسية وراء لجوء الدولة إلى «شركة خاصة» لإدارة البرنامج الإلكتروني المستخدم في عمليات التصويت وفرز الأصوات – بدلاً من أن تكون السيادة الرقمية في العملية الانتخابية في يَد مؤسسات الدولة الرسمية -. واستند حديث بيترو إلى بيانات تقنية فاضحة حدّدت بدقة تواريخ التلاعب بـ«السيرفرات» قبل أيام قليلة من توجّه الناخبين إلى الصناديق، وأفادت بتعديل برنامج التصويت التابع للشركة الخاصة مرّتَين متتاليتَين في 26 أيار الماضي.

وبحسب بيترو، أفرزت هذه التعديلات «تفريخ» ناخبين مجهولين في القائمة الرسمية؛ إذ قفز عدد الناخبين فجأة في نظام العدّ الأولي من 41,421,973 ناخباً إلى 42,307,373، ما يعني إدخال فارق ضخم يبلغ 885,409 كهويات جديدة لم تكن مسجَّلة أصلاً بحلول الموعد النهائي القانوني للتسجيل. وبالتوازي، تمّ التلاعب بـ«الشعبة السياسية الانتخابية» (DIVIPOL) عبر البرنامج الخاص، ليرتفع عدد مراكز الاقتراع من 13,742 مركزاً رسمياً إلى 14,438، ويُسجَّل ظهور 696 محطّة اقتراع إضافية خارج التخطيط المعلن.

ولفهم ماهية هذه الشكوك التي يطرحها رئيس يقود البلاد أساساً، والتي تخالف وعوداً وردية أطلقها بنفسه عند وصوله إلى سدّة الحكم عام 2022، يجدر النظر في جملة من العوامل التي منعت أيّ تغيير يرجوه الكولومبيون الذين أوصلوا آنذاك اليسار للمرّة الأولى إلى الحكم، وجمّدت أي مسعى من شأنه أن يهدّد البنية اليمينية العميقة للنظام التي تشكّلت على مدى عقود. وعلى الرغم من أن تحالف «الميثاق التاريخي» بقيادة بيترو وفرانسيا ماركيز ظهر كبديل انتخابي من الحكم اليميني المدعوم أميركياً، غير أنه، وعلى عكس تجارب يسارية في أميركا اللاتينية – حيث دعمت أحزاب قوية ومتجذّرة، من مثل «الجبهة العريضة» في أوروغواي أو «حزب العمال» في البرازيل، وصول اليسار إلى السلطة، أو حتى في حالة «البيرونية» الأرجنتينية، أو «حركة نحو الاشتراكية» (MAS) في بوليفيا، والتي ترجمت القوة الشعبية في مشروع انتخابي -، جاء فوز بيترو من دون تنظيم حزبي متراكم قد يشكّل رافعة صلبة لتحقيق تلك الوعود.

في الواقع، أتى ذلك الفوز نتاج عاملَين رئيسيَّين غذيّا بعضهما البعض، أوّلهما، أزمة الهيمنة البنيوية لكتلة السلطة – والتي على الرغم من تفاقمها في ظلّ سوء حكم إيفان دوكي (2018 – 2022)، فهي كانت متجذّرة منذ حكم الفاشي أوريبي فيليز (2002 – 2010) -؛ وثانيهما، ديناميكية الانتفاضة الشعبية التي استمرّت من 2019 إلى 2021، وولّدت آمالاً هائلة لدى الشعب الكولومبي بإمكانية التغيير، من دون أن تنجح في التحوّل إلى قوة سياسية منظّمة. وفي وقت لم يُقصَ فيه قادة الكتلة الحاكمة التقليدية (اليمينية) – على غرار ما حدث في فنزويلا عشية عهد تشافيز مثلاً -، نشأ بذلك توازن قوى هجين في بوغوتا، عنوانه تعامل النخب المسيطرة مع «الخطر اليساري» عبر صيغة «لامبيدوزا» (تغيير الشكل للحفاظ على الجوهر)؛ إذ تحالف قسم كبير من الكتلة الحاكمة التقليدية مع حكومة بيترو، محتفظاً بسيطرته على المؤسسات المالية والقضائية والعسكرية، فيما تحوّل بعض الإصلاحيين إلى بيروقراطيين داخل النظام.

هكذا، ورغم مرور أربع سنوات من عمر الحكومة اليسارية، لم تتجاوز البلاد أزمتها الهيكلية؛ فالإطار القانوني الصارم الذي أرساه دستور 1991 لا يزال يكبّل قدرة السلطة التنفيذية على إجراء إصلاحات جذرية، في وقت عمل فيه اليمين التقليدي والمتطرّف على حشد قواه، مستفيداً من الارتباك داخل التحالف الحاكم ومن تعثّر «مبادرات السلام». وبينما يمنح الدستور والأحكام القضائية كتل اليمين هذه، الحق في التحكم في «الخطة الوطنية للتنمية»، والقيود المالية والدّين العام، وسياسة الدفاع والخارجية، وترشيحات المناصب القضائية، منحت المحاكم والأجهزة الرقابية اليمين التقليدي «سلاحاً» إضافياً لعرقلة السياسات الاجتماعية.

بالعودة إلى المعركة الانتخابية، ورغم غياب بيترو عن لوائح التنافس، ظلّ للأخير الثقل المحوري في الاستحقاق الانتخابي، الذي تحوّل إلى ما يُشبه الاستفتاء الشعبي على حكومته المنتهية ولايتها، وعلى مشروعه الداعي إلى عقد «جمعية تأسيسية وطنية» لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بما يتجاوز دستور 1991. وتلك مبادرة يراها اليسار الملاذ الأخير لحماية الإصلاحات الهيكلية (النظام الضريبي، الصحة، التقاعد، العمل، التعليم وغيرها) التي أجهضتها الدولة العميقة في الكونغرس والمحاكم، بينما يشيطنها اليمين بوصفها «حصان طروادة» لتقويض «الديمقراطية الليبرالية» ورافعة للمسار الاشتراكي. وفيما يحاول سيبيدا موازنة هذا الطرح وتخفيف نبرته لطمأنة كتل الوسط المعتدلة إلى استمرار المسار الديمقراطي، يندفع اليمين نحو مقاربة عسكرية واقتصادية متطرّفة، مستوحاة من نماذج الفاشية الجديدة في القارة (نجيب بوكيلي في السلفادور وخافيير ميلي في الأرجنتين).

وانعكس هذا الانقسام الأيديولوجي الحادّ على مشاريع المرشحين. إذ يسعى مشروع سيبيدا (قوة الحقيقة)، مسنوداً من نائبة الرئيس والزعيمة السكانية الأصلية، آيدا كيلكوي، المنحدرة من مقاطعة كاوكا، إلى تعميق سياسة «السلام الشامل» عبر ثلاث ثورات (أخلاقية، اقتصادية، وسياسية)، مرتكزاً على إعادة توزيع الأراضي على 200 ألف أسرة فلاحية، وتصفية نفوذ الكارتيلات عبر تنظيم جزئي لسوق الكوكا، وضمان الحق الإنساني في المياه. وفي المقابل، يتبنّى مشروع دي لا إسبرييا (الوطن المعجزة)، مدعوماً برمز الليبرالية الجديدة ووزير مالية دوكي السابق خوسيه مانويل ريستريبو، تصفية القطاع العام، خفض حجم الدولة بنسبة 40%، تحرير الاقتصاد الشامل من القيود، عسكرة الأمن عبر بناء 10 سجون عملاقة، وإحراق 330 ألف هكتار من حقول الكوكا.

وفي غضون ذلك، ظلّلت الصراعَ الانتخابي مواجهة مباشرة ضدّ ما وصفه معسكر اليسار بـ«الفاشية المافيوية». إذ في محاولة لكبح جماح الاستفزازات اليمينية – والتي تجسّدت في لوحة إعلانية للمرشح لا إسبرييا تُظهره وهو يضغط بركبته على ظهر المرشّح اليساري إيفان سيبيدا، في محاكاة بصرية صادمة لجريمة خنق جورج فلويد – أطلق سيبيدا نداءً جماهيرياً لعدم الانجرار إلى العنف الرمزي أو الجسدي، داعياً إلى مواجهة «الأكاذيب بالحقيقة والاعتداء بالحجج».

كذلك، لم يتأخّر اليسار في فتح «الصندوق الأسود» لمنافسه اليميني؛ إذ عرّى سيبيدا السيرة المهنية لدي لا إسبرييا، بوصفه محامياً وقانونياً ارتبط تاريخياً بحماية كارتيلات المخدرات وقادة الميليشيات شبه العسكرية (الباراميلتارية) وزعيمها سالفاتوري مانكوسو، محذّراً من أن وصوله يعود بالبلاد إلى حقبة ألفارو أوريبي الملطّخة بالدماء، ويهدّد بتدمير المكتسبات البيئية والاجتماعية كالأجر الكريم ومجانية التعليم العام. وهذا الهجوم الراديكالي تبنّاه الرئيس شخصياً، معتبراً أن توعّد اليمين بسجنه واجتثاث الحركة التقدمية واغتيال قادتها سياسياً ليس سوى امتداد لـ«المحرقة الكولومبية» التي رعاها سابقاً نظاما لاوريانو غوميس وماريانو أوسبينا وحكم الميليشيات الذي خلّف 200 ألف قتيل.

إزاء كلّ ما تقدّم، يبدو أن جولة الإعادة هذا الشهر لن تحسم اسم الساكن الجديد للقصر الرئاسي فحسب، إنما ستجيب على السؤال التاريخي: هل تنتهي محاولة «الانعتاق» الكولومبية بانتهاء ولاية بيترو وعودة اليمين المتطرّف إلى الحكم – مع ما يحمله ذلك من تكريس لهيمنة الولايات المتحدة المطلقة على هذا البلد -، أم تتعمّق «الثورة» وتكتمل القوة التأسيسية الشعبية بقيادة إيفان سيبيدا؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img