| جورج علم |
حجب الرئيس الأميركي دونالد ترامب كل الأصوات.
يتحدث عن لبنان كمفوّض مطلق الصلاحية. يقرّر، ويملي، ويرسم خطوط الطول والعرض للمسارين العسكري والسياسي. له كلمة الفصل، ولسواه الإذعان.
حجته أن لبنان الرسمي ارتضى المفاوضات المباشرة تحت رعايته، والراعي هو من يحدّد المسارات!
وعلى الرغم من “الهيمنة الترامبية”، لا يمكن التغاضي عن أصوات أخرى لها وقع وصدى، من الرياض إلى القاهرة، ومن الدوحة إلى باريس، وصولاً إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة.
هناك متابعة حثيثة للملف اللبناني في أكثر من عاصمة ومنتدى دولي، لسبر أغوار ما يجري وراء الأبواب المغلقة في واشنطن. قد لا يكون الاهتمام من منطلق الغيرة على “جبل الأرز”، بل من منطلق الحرص على المصالح وحمايتها من “الجائحة الترامبية” التي تنتشر كالوباء، معتمدة على التهديد والوعيد، ومستندة إلى منطق القوة والاعتداد بالنفس وعرض العضلات، كبديل من الشرعية الدولية والقانون الدولي والأمم المتحدة ومنظماتها المتفرعة ومجلس الأمن وقراراته المتصلة بمعالجة الأزمات الكبرى، والتهديد بتطبيق “النموذج الفنزويلي” حيث أمكن، للسيطرة على منابع الطاقة والاستئثار بشرايين الاقتصاد.
قد لا تغيّر دعوة فرنسا مجلس الأمن الدولي إلى الانعقاد من قواعد اللعبة، لكن محاولتها كانت مجرد رسالة إلى من يهمه الأمر بأن الملف اللبناني لا يمكن مصادرته من قبل أي كان، والتحكم بمساره ومصيره، حتى ولو كان من وزن الولايات المتحدة. وبالتالي لا بد من الانعطاف نحو الثوابت التاريخية التي تميّز العلاقات بين الدول، وتحديداً العلاقات الفرنسية مع الكيان اللبناني.
فرنسا دولة صاحبة حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن، وتربطها شبكة مصالح واسعة مع لبنان، ومن خلاله مع العديد من دول الإقليم. وتحرص دائماً على تأكيد الدور والحضور من خلال المبادرات المتناسلة التي تقوم بها، وإن كانت تنطوي على إيجابيات متواضعة.
كانت الدولة الأوروبية الأولى التي حجزت لنفسها دوراً أمنياً في الجنوب بعد رحيل “اليونيفيل”. وتوالت بعدها دول مثل إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وحتى بريطانيا للمساهمة في “قوة أوروبية مشتركة” أو “قوات دولية متعددة الجنسيات”، تدعم الجيش اللبناني في استعادة السيادة الوطنية، طبقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي واتفاقية الهدنة وما قد تفرزه مفاوضات واشنطن من ترتيبات.
وما يقوم به الدبلوماسي الفرنسي المخضرم جان إيف لودريان من مجهود مستمر ومتواصل، يختصر بعبارة موجزة: “إنه يدير شبكة علاقات فرنسية ـ أميركية ـ خليجية ـ دولية واسعة، لحماية لبنان وحماية النفوذ الفرنسي”.
وتأتي دعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى الإبقاء على وجود عسكري أممي في لبنان بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل” أواخر العام الحالي، لافتةً وعلى جانب من الأهمية، سواء من حيث توقيتها أم دلالاتها.
واقترح، ضمن رسالة وجّهها إلى مجلس الأمن الدولي، ثلاثة سيناريوهات لتشكيل قوة جديدة تضم مراقبين عسكريين وكتائب مشاة خفيفة وقوات تدخل سريع، تتراوح أعداد أفرادها بين 1980 فرداً كحد أدنى و5500 فرد كحد أقصى.
واعتبر أن وجود عسكريين أمميين سيظل ضرورياً لتسهيل خفض التصعيد والحوار والتنسيق ودعم القوات المسلحة اللبنانية، إلى جانب دور سياسي معزّز لممثل الأمم المتحدة في لبنان.
وأشار إلى أن الأمم المتحدة ستواصل أداء دورها بوصفها الحارس المؤقت للخط الأزرق، مؤكداً أهمية الحفاظ على هذا الدور ومراقبة الخط بشكل جيد.
ولم يكن عرض غوتيريش مفاجئاً للوسيط الأميركي، لكنه لم يكن مرحباً به. فهناك حسابات جارية بين واشنطن وتل أبيب حول مواصفات اليوم التالي في الجنوب.
وهناك شعور عارم بالقلق من أن ينزلق لبنان من ولاية أممية ترعاها “اليونيفيل” منذ 19 آذار 1978، نحو ولاية أميركية ـ إسرائيلية تتحكم بالجنوب، لا بل بالقرار اللبناني السيادي، تحت مسمى “الترتيبات الأمنية”.
وما هو متوافر لغاية الآن يفيد بأن الترتيبات المطروحة على طاولة المفاوضات لم تتخذ بعد شكلها النهائي. إنها في مراحلها الأولى التي لا تزال تخضع للمزيد من الدرس والتنقيح وإعادة الصياغة. لكن ما يُبنى عليه أن لبنان الرسمي، عندما ذهب إلى المفاوضات المباشرة، إنما استند إلى ورقة وحيدة تنطوي على شيء من الجاذبية والقوة المعنوية، هي ورقة انتسابه إلى الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن الخاصة بالجنوب واتفاقية الهدنة التي أبرمها مع “إسرائيل” برعاية الأمم المتحدة.
حتى في حلقات مفاوضاته وراء جدران البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية، يستند في مرافعاته إلى الشرعية الدولية وقراراتها الخاصة بلبنان، وتعويله المستمر على دورها التعاوني مع الجيش اللبناني في الجنوب من خلال قوات “اليونيفيل”.
وليس بجديد القول إن هدف بنيامين نتنياهو هو الاستئثار بكامل الترتيبات الأمنية ورفض أي شريك، سواء أكان أممياً أم أوروبياً أم دولياً. إنه يسعى للحصول على “حصر إرث” أمني، مدعوم من دونالد ترامب، ومدموغ بخاتم القوة. في حين تلعب الولايات المتحدة دور الوصي المشرف على توزيع الأدوار والمسؤوليات بما يتوافق مع مصالحها أولاً، ومستَلزمات السيطرة على منابع النفط وإمدادات الطاقة والاستثمار في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط.
يقول الفرنسيون في مجالسهم ما خلاصته:
“تقود الولايات المتحدة قطار المفاوضات، وقد جلس الإسرائيلي إلى جانب الأميركي في قمرة القيادة. لكن لكي يصل إلى المحطة اللبنانية بنجاح، لا بد أن يمر بمحطات كثيرة أوروبية وأممية، كي يصل حاملاً برميل السلام”.
ويضيفون:
“إما أن يكون لبنان، ويستمر واحة تلاقٍ وحديقة متنوعة الألوان، وإلا فلن يكون، وسيستمر مجرد عقار ترامبي أو خلفية توسعية إسرائيلية”.














