
لا يبدو أن هناك مؤشرات إيجابية على تعديل في سلوك السلطة. لا يزال رئيس الجمهورية جوزيف عون، يعتبر نفسه «القائد المنقذ». يواصل طريقته الكيدية في التعامل مع المقاومة. وهو قرر، من طرف واحد، ووفق معايير، لا يمكن إلا لمنجّم أن يشرحها، أنه سيكون صاحب أي إنجاز يمكن أن يتحقق جنوباً، سواء عبر الاتفاق الإيراني – الأميركي، أو نتيجة فشل مشروع قوات الاحتلال، وكل ما سيقوم به لاحقاً، سيكون على هذا الأساس، ولا يتوقع مطلقاً أن يجري مراجعة هادئة، بل سيذهب بعيداً في معاداته لقسم غير قليل من شعبه، ويظل يقول لهم، إنه يعرف مصلحتهم أكثر منهم.
لكن الرئيس الذي بدا كثير الحركة والكلام مؤخراً، يبتلع لسانه عند الحديث عما إذا كان الأميركيون قد وعدوه بشيء يوم وافق على السير في مشروع التفاوض المباشر. أما مساعده لشؤون الحكومة نواف سلام، فصار نسياً منسياً، لا أحد يدري ما الذي يقوم به، ومع من يتعامل، وكيف يطلع على مفاوضات واشنطن. لكن اللافت، ما ورد في تصريحات الرئيس الأسبق فؤاد السنيورة، لقناة «العربية».
والرجل لا يكنّ أي ود للمقاومة، هو يعادي إسرائيل، أو هكذا يقول، ويرى في حزب الله الشر الأكبر، لكنه، ومن موقعه، يشعر بالضيق حيال الكسل الذي يعتري سلوك من اعتبره يوماً تلميذه، فاضطر لأن يصرخ مطالباً السلطة بالتدخل مع الأميركيين، ومع أنه قال إنه لا يتكلم باسم أحد، لكنه كان شديد الصراحة عندما قال: لو كنت في موقعهم، لسألت عن الوعود الأميركية، وحتى لكنت لوحت بوقف المفاوضات حتى يتم وضع حد لإسرائيل!
الحرب القائمة، لها سياقاتها العسكرية والسياسية. والكل يتابع الوساطات الجارية في المنطقة، لتحديد أثرها الكبير ليس على صعيد وقف إطلاق النار، بل على صياغة المشهد السياسي في الإقليم وفي لبنان أيضاً. لكن طريقة تعامل السلطة مع ملف الحرب مع إسرائيل، تفرض نقاشاً من نوع مختلف، وهي تعطي نفسها حقاً بمفعول رجعي لمحاسبة المقاومة، علماً أنها هي من سيقف في قفص الاتهام.
وهي واهمة بأنها سوف تعفى من المحاسبة على كل ما قامت وتقوم به حتى الآن. لأن المعضلة الأبرز، تكمن في أن هذه السلطة تظهر استعداداً للذهاب بعيداً في التنازلات أمام العدو. ومثلما يقول عون وسلام ومعهما جوقة من الصهاينة اللبنانيين، من أن المقاومة غير قادرة على منع الاحتلال، وأن التفاوض هو السبيل للحل، فإن كل هذه الجوقة ستقول لنا في المقبل من الأيام، إنها مضطرة للتفاوض على تفاصيل كثيرة حتى تضمن وقفاً فعلياً لإطلاق النار، ثم ستقول لنا، إنها مضطرة لتقديم تنازلات من أجل استعادة الأرض. وبينما لا يخرج إلى الصورة رجال من قياس كبير لمنع الانفجار، فإن البلاد مقبلة على تحديات كبيرة في المرحلة المقبلة. وبرغم كل المكابرة والحديث عن الوحدة والتعايش وخلافه من بقايا دولة جبال الصوان، فإن المشكلة الداخلية سوف تنفجر دفعة واحدة في وجه الجميع. وقد يكون من الصعب ضبط كل تداعياتها، بما في ذلك العنف الذي قد ينتشر على شكل حوادث فردية، قبل أن يتشكل على هيئة صراع كبير، يعيدنا إلى زمن الحرب الأهلية.
في واشنطن، يفاوض وفد السلطة السياسي من موقع الموافق على سردية العدو تجاه المقاومة في لبنان. والتمايز المفترض أن يظهر بين أداء الوفد العسكري وبين الوفد السياسي، سوف يكشف عن الهوة الكبيرة بين ما يمكن للسلطة أن تعرضه من خدمات، وبين ما يمكنها تحقيقه على الأرض. ذلك أن الجيش، الذي ذهب إلى البنتاغون، طوعاً أو غضباً لا فرق، يعرف ما الذي يريده الأميركيون والإسرائيليون، لكنه يعرف أيضاً، وهو ما يخشاه، ما الذي يريده أركان السلطة في لبنان.
والجيش، وبمعزل عن كل نقاش حول موقف قيادته، إلا أنه يعي بالفطرة، أن وحدته تبقى رهن حياده عن الصراعات القائمة في البلاد. وأن فعاليته، تبقى رهن عدم خضوعه لحسابات سياسية تقوم بها سلطة في لبنان، يعرف الجيش مثل غيره، أنها لا تمثل أي نوع من الإجماع الوطني. ولذلك، فإن الكل يتوقع المزيد من الضغط على الجيش، لكن الفرصة الوحيدة لمنع الانهيار، يمكن أن تتوفر في حال واحدة فقط: إذا كانت أميركا لا تريد فرط البلاد!
ومع ذلك، فإن عدم رغبة أهل سلطة الاحتلال الوصاية، بإجراء أي مراجعة، وإصرارهم على تحميل الضحية مسؤولية القتل الذي تقوم به إسرائيل بأسلحة وغطاء أميركيين، فذلك يعيدنا من جديد، للتدقيق في حجم الالتزامات التي قدمها عون وسلام إلى الجهات التي أوصلتهما إلى حيث هما اليوم. والنقاش تجاوز كل تفاهمات أو اتفاقات عقدت قبل تشكيل الحكومة أو حتى قبل انتخاب الرئيس مطلع العام الماضي، كون ما حصل خلال ستة شهور، كان كافياً، لأجل أن نفهم، أن عون وسلام، قدما التزامات كاملة للولايات المتحدة والسعودية، وأنهما على قناعة بما فعلاه. ولا مكان لكل ما قالاه من الكلام المعسول للأطراف المحلية، وكان كل ذلك لتسهيل عملية تعيينهما، عبر آليات دستورية تبقى أسيرة التوازنات الخارجية، وهو حال لبنان منذ إعلانه دولة.
سيعود الناس إلى ديارهم، شاء العدو أم أبى، وشاء من شاء من أهل سلطة الاحتلال والوصاية. وسوف تبقى أيدي المقاومة على الزناد. وإذا حصل وقف كامل وشامل لإطلاق النار، فإن السلاح، هو الوسيلة الوحيدة التي ستبقى حاضرة للرد على أي خرق، ولمنع العدو من العودة إلى مرحلة ما قبل الثاني من آذار الماضي.
وهذه القاعدة، هي أمانة الشهداء الذين سقطوا ويسقطون كل يوم، وفي كل حارة ودسكرة. ولن يكون بمقدور أحد، داخل وخارج لبنان، أن يمنع المقاومة من تثبيت حق الناس في الأرض والحياة الحرة، بعيداً عن أي تنازل سيادي أو سياسي. والأهم، هو أن المقاومة تعي، بأن المرحلة المقبلة، وإن كانت تتطلب تعديلات جوهرية في الاستراتيجية الداخلية، فهي تتطلب ما هو أكثر حزماً في التعامل مع مجموعة ليس عندها من عمل سوى خنق المقاومة وناسها في بيوتهم ومدارسهم وأملاكهم وصحتهم وعيشهم..














