spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider90 % من "الشيعة" ضد "حزب الله".. ماذا كشفت تسريبات السفارات؟

90 % من “الشيعة” ضد “حزب الله”.. ماذا كشفت تسريبات السفارات؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| زينة أرزوني |

لا تحتاج السفارات في لبنان إلى أجهزة تنصّت معقّدة، ولا إلى أقمار صناعية تجوب الفضاء. يكفي فنجان قهوة، وصحافي يعرف من أين تُؤكل الكتف، وطاولة مستديرة يجلس حولها دبلوماسيون يبتسمون أكثر مما ينبغي، ويدوّنون أقل مما يسمعون.

هناك، في تلك الجلسات التي تُقام تحت عنوان “تبادل وجهات النظر”، كاد أحد الدبلوماسيين الغربيين أن يختنق بقطعة “الكرواسون” حين سمع صحافياً شيعياً مرموقاً يقول بثقة إن “أكثر من 90 بالمئة من الشيعة غاضبون من حزب الله”.

فجأة اتّسعت العيون، واهتزّت الأقلام المذهّبة التي تُهدى عادة في حفلات البروتوكول الخليجية، وبدأت الرؤوس تهتزّ بنشوة من ظنّ أن ملايين الدولارات التي أُنفقت على الحملات الإعلامية، في محطات تلفزيونية ألوانها زاهية، وفي صحف ومواقع جدّدت مكاتبها، للقول إن من استجلب هذا الدمار وهذا الاحتلال للقرى الجنوبية هو “حزب الله”، قد أينعت أخيراً…

في تلك اللحظة، تخيّل بعض الحاضرين أن الجنوب يستعدّ للانقلاب السياسي الكبير، وأن النازحين الذين يفترشون المدارس والخيم صاروا قاب قوسين أو أدنى من رفع أعلام “المجتمع الدولي” فوق الركام.

لكن الدبلوماسي، بدهائه المعتاد، أراد التأكد أكثر، فسأل عن كيفية كسب ودّ هؤلاء الغاضبين؟ وهنا وقعت “الكارثة الدبلوماسية الصغيرة”.

أجاب الصحافي بهدوء قاتل: “إذا أردتم كسبهم… اقصفوا تل أبيب”.

ساد الصمت للحظة، ذاك الصمت الذي يشبه انقطاع الكهرباء في عزّ نشرات الأخبار. أحد السفراء كاد يبتلع لسانه، وآخر راح “يطمطم” الجملة بسرعة تفوق سرعة كتابة التقارير الأمنية التي كان يكتبها الصديق بحق صديقه، ورئيس حزبه، أو حتى رئيسه، لبلدٍ تتشابك حدوده مع حدود لبنان.

المشكلة أن الغرب، ومعه بعض هواة العمل السياسي من جماعة السفارات، افترضوا أن غضب البيئة الشيعية يعني انتقالها تلقائياً إلى الضفة الأميركية.

بينما الحقيقة الأكثر إزعاجاً كانت شيئاً آخر تماماً، فهؤلاء ليسوا غاضبين لأن الحرب وقعت، بل لأنهم يشعرون أن قراهم وحدها دفعت الثمن، فيما بقيت تل أبيب تنام بهدوء نسبي. هم لا يسألون عن السلام بقدر ما يسألون عن الردع.

ولأن الدبلوماسية في لبنان غالباً ما تشبه مشاهدة فيلم مترجم بشكل سيّئ، احتاج بعض السفراء إلى دقائق إضافية لفهم الفكرة: هؤلاء الذين تهجّروا ودُمّرت منازلهم لا يرون أن المشكلة في أصل المواجهة والدفاع عن الأرض، بل في أن ميزان الرعب ليس كما كان عام 2006، حين وُضعت مدن إسرائيلية كبرى تحت تهديد الصواريخ لأيام متواصلة، فكان وقف إطلاق النار حاجة متبادلة، لا منّة دولية ولا حتى داخلية لبنانية.

أما اليوم، فـ”إسرائيل” تقصف، وتتوغّل، وتقتل، فيما يعمل عمقها الديمغرافي بإيقاع شبه طبيعي. لذلك، بالنسبة لكثير من الجنوبيين، السؤال ليس: لماذا بدأت الحرب؟ بل: لماذا لا تشعر حيفا وقلب تل أبيب بالخوف نفسه الذي تعيشه صور والنبطية والضاحية وغيرها من القرى؟

ويستطرد الصحافي بالشرح أن عام 2006 شهد التزام “إسرائيل” بوقف إطلاق النار، لأن تنظيماً تصنّفه واشنطن وتل أبيب “إرهابياً” وضع نحو مليوني “إسرائيلي” تحت تهديد قصف متقطّع، ولم يكن هناك حل عملي لخطر الصواريخ سوى اتفاق متبادل على وقف النار، وانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية التي احتُلّت خلال الحرب.

“طير الجنوب”

أما في حرب 2026، فلماذا قد لا تنسحب “إسرائيل” من لبنان؟ ولماذا قد تواصل قصف القرى والمدن اللبنانية؟ لأن مليوني “إسرائيلي” في شمال فلسطين المحتلة لا يعيشون تحت تهديد قصف مماثل، ولأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بكل ما يمثّله من تطرّف، لا يكترث لتعرّض جنوده للاستهداف داخل القرى اللبنانية المحتلة، طالما لا يُعلن إلا عن الجندي الذي لديه عائلة، وليس عن المرتزقة داخل مؤسستهم العسكرية. فما يعني نتنياهو فعلياً هو أمن العمق الديمغرافي الإسرائيلي واستقرار مدنه الكبرى.

طبعاً، لم يُنكر الصحافي تأثير “طير الجنوب” على جيش الاحتلال، ولا إنجازات “رجال الله” على الأرض، ولا استنزاف جنود الاحتلال، لكنه كان ينقل ببساطة مزاج بيئة كاملة ترى أن الردع لا يُقاس فقط بنتائج الطائرات المسيّرة، التي تحوّل مفعولها إلى “استراتيجي” لا “تكتيكي” فقط بالنسبة إلى “إسرائيل”، والتي استحدثت فرقة خاصة للنوم على ظهرها كي تراقب السماء، وذهبت لشراء الشباك من الصيادين لنصبها على دبابات “الميركافا”، والتي تحوّلت، بالقول والصورة، إلى أوهن من “بيت العنكبوت”.

بل يُقاس الردع أيضاً بالقدرة على إيلام الداخل “الإسرائيلي” أكثر، وهو مطلب كل نازح، وكل من ينام في العراء ليحمي ظهر المقاومة.

في تلك الليلة، عاد السفراء إلى سفاراتهم بتقارير طويلة، وعناوين أعرض من “الخط الأصفر” المزمع في الجنوب. بعضهم اكتشف متأخراً أن الشيعة ليسوا مختبراً سهلاً، وأن هذه الطائفة لا تتصرّف وفق كتيّبات الإرشاد الغربية.

وفي الغالب، بقي السؤال معلّقاً فوق طاولات القهوة: كيف يمكن فهم طائفة يهدّدها عدوّها بقصف 10 أبنية مقابل مسيّرة متفجرة مزوّدة بكاميرات حرارية، فيما يطالب الغاضبون بمزيد من الصواريخ التي تصل إلى العمق “الإسرائيلي”، لا بالتراجع وتسليم السلاح؟

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img