| العميد الدكتور أمين عاطف صليبا | (*)
استوقف هذا التحذير جميع المراقبين والمختصين في العلاقات الدولية والعلوم السياسية، ولا سيما أنه صدر عن الرئيس الصيني موجَّهًا إلى الرئيس الأميركي، خلال الاستقبال الرسمي للرئيس الأميركي دونالد ترامب في زيارته الأخيرة إلى الصين. ومن الواضح أن هذا التحذير يهدف إلى احتواء التأزُّم بين العملاقين، الولايات المتحدة والصين، لأن الحرب الاقتصادية القائمة حاليًا بينهما، ولا سيما تبادل فرض الرسوم الجمركية، قد تؤدي إلى مزيد من التعقيد، وربما تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة، وبالتالي الوقوع في “فخ ثوسيديدس”.
وترتبط هذه التسمية باسم القائد العسكري والمؤرخ اليوناني ثوسيديدس (Thucydides)، الذي وُلد في أثينا عام 460 ق.م.، ووثّق الحرب بين أثينا وإسبرطة، التي استمرت عدة عقود، في كتابه الشهير “تاريخ الحرب البيلوبونيسية”. وقد رأى، قبل اندلاع تلك الحرب التي أرهقت أثينا وإسبرطة على حد سواء بسنوات، أن الحرب حتمية بين أثينا الصاعدة آنذاك وإسبرطة، القوة المهيمنة يومها، وقد وقعت الحرب كما توقّع.
وقد أعاد هذا المفهوم إلى الفكر السياسي الحديث المفكر الأميركي غراهام أليسون، الذي ألّف عدة كتب في العلوم السياسية، ونبَّه إلى هذا الفخ منذ سبعينيات القرن الماضي، مع تنامي الصراع بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية. كما أصدر كتابه الشهير بعنوان: “إعادة الصياغة الخارجية – الارتباط التنظيمي”، بالمشاركة مع عالم السياسة الأميركي بيتر سترانتون، عام 1976.
وكان أليسون قد استخلص خطورة السلاح النووي ورعبه على العالم أجمع بعد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، بين القوتين العظميين آنذاك، وكيف عاش العالم اثني عشر يومًا من الخوف من اندلاع حرب نووية، قبل أن يتوصل الرئيسان جون كينيدي ونيكيتا خروتشوف إلى تسوية بينهما. ولذلك حذّر غراهام أليسون يومها من “فخ ثوسيديدس”، لأن الصراع كان قد وصل إلى حافة الانفجار.
واليوم، يعود الرئيس الصيني إلى التحذير من هذا الفخ، لأن كثيرًا من المحللين السياسيين حول العالم، غير المنحازين لأي من الجهتين، يرون أن الولايات المتحدة الأميركية تمثل “إسبرطة” العصر الحديث، فيما تمثل الصين “أثينا” الصاعدة. ويكمن الخوف في احتمال وقوع صدام بين الطرفين، خصوصًا أن حرب “البيلوبونيز” التي اندلعت قديمًا واستمرت ثلاثة عقود، كانت في زمن لم تكن فيه الأسلحة النووية موجودة كما هي الحال اليوم.
وقد يرى بعض المفكرين أن توازن الرعب النووي قد يمنع قيام حرب مباشرة بين الجبارين، إلا أن الصراع قد يتفجر بصورة غير مباشرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: ملف تايوان، ومطالبة الصين بعودتها إلى الحضن الصيني باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الدولة الصينية، في مقابل الحماية الأميركية لتايوان.
لكن المتتبّع للعلاقات الدولية يتساءل: لماذا استقبلت الصين، قبل أقل من شهرين من هذه القمة، زعيمة المعارضة في تايوان “تشنغ لي وون”، واجتمعت بالرئيس الصيني؟ كذلك، ما دلالة الأخبار الواردة عن مطالبة زعيم كوريا الشمالية بتحصين الحدود البرية مع كوريا الجنوبية، وهي الحدود التي كرّست تقسيم كوريا إلى دولتين نتيجة الصراع بين القوتين العظميين؟ وما الهدف من هذا الإعلان اليوم؟ وهل هو رسالة غير مباشرة إلى الولايات المتحدة الأميركية؟
من حق العالم أن يتساءل إلى أي مدى قد يصل الصراع الاقتصادي بين أميركا والصين. ورغم الاطمئنان النسبي إلى أن نظرية الردع المتبادل بين الجبارين قد تحول دون استعمال السلاح النووي، فإن أي صراع خارج إطار المواجهة المباشرة قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي، وعلى مستوى الرخاء الذي يعيش اليوم أحد أدنى مراحله، بسبب الأزمة القائمة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى.
لذلك، على قادة الدول أن يكونوا أكثر عقلانية في اتخاذ القرارات، ولا سيما عندما تكون المواجهة بين قوة عظمى وأخرى، حتى تبقى البشرية في أمان.
(*) رئيس هيئة الأركان الأسبق في قوى الأمن الداخلي، وعميد معهد العلوم السياسية في جامعة الجنان ـ طرابلس.
للانضمام إلى مجموعات “الجريدة” على “واتساب” إضغط على الرابط
https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=gi_t














