spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"لبنان أولًا".. لكن أميركا لم تعد أولًا!

“لبنان أولًا”.. لكن أميركا لم تعد أولًا!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

ما يُبنى عليه ليس في واشنطن، بل في بكين.

وما يُبنى عليه في بكين لا تكتمل مواصفاته إلا بعد القمة الروسية – الصينية التي أصبحت على الأبواب.

يدور الحديث الآن حول الثلاثية الأميركية ـ الصينية ـ الروسية التي تعيد هندسة الجغرافيا الاقتصادية ـ الأمنية للكرة الأرضية السابحة في فضاء الذكاء الاصطناعي.

بعض مراكز الدراسات يصحّح المسار، ليقول إن قوى ثلاثًا، تمثّل قارات ثلاثًا، تحتل مقاعدها في قمرة القيادة، لتقود سفينة العالم إلى موانئ جديدة، وأنماطًا اقتصادية واجتماعية مختلفة.

وكما تتقدّم الولايات المتحدة القارة الأميركية، تتقدّم الصين القارة الآسيوية، فيما تتقدّم روسيا القارة الأوروبية.

جاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى صديقه اللدود شي جين بينغ رافعًا قبضته في الهواء، إلا أن الأخير نصب له “فخ ثوسيديدس”.

وخلال اللقاء الذي جمعهما، ورد مصطلح “فخ ثوسيديدس” على لسان الرئيس الصيني، كتحذير من خطر اندلاع صراع بين “قوة صاعدة” وأخرى “مهيمنة”، والدعوة إلى تفادي مواجهة دولية كبرى بين الصين والولايات المتحدة.

وثوسيديدس هو مؤرخ إغريقي شهير عاش بين عامَي 460 و395 قبل الميلاد، ويُعدّ من أوائل المؤرخين الذين أولوا العوامل الاقتصادية والاجتماعية أهمية خاصة، وشرح العلاقات بين أثينا كقوة صاعدة، وإسبارطة كقوة مهيمنة أثناء الحرب بينهما.

عاد رئيس “أميركا أولًا” بتوقعات منخفضة، بعد لقاء استمر ساعتين مع نظيره الصيني.

أميركا لم تعد “أولًا”. إنها بحاجة إلى الرقائق الإلكترونية، وإلى المعادن النادرة، وإلى “إطفائي” لتفادي الغرق في وحول مضيق هرمز.

وأثبت الرجل الجاد، الحكيم، الرصين، الجالس على مقعد ماو تسي تونغ، والذي يقود مليارًا و300 مليون بشري نحو العولمة الجديدة، أن الكلمة المقنعة أقوى من القبضة المرفوعة، وأن الحوار الهادئ أفعل من التهديد والوعيد، وأيضًا من القرارات المشحونة بعبوات انفعالية.

لم تعد أميركا “أولًا” في هرمز. هناك الناقلات العملاقة التي تتهادى بين المضيق والشاطئ الصيني، ناقلة ملايين الأمتار المكعبة من النفط والغاز إلى “مصنع العالم”.

لم تعد أميركا “أولًا” في إيران، ولم تعد صنّارتها الوحيدة التي تحيك عباءة “الصفقة”. فقد أكدت الضرورات الميدانية والتفاوضية مدى الحاجة إلى الصنّارة الصينية والروسية لكي تكتمل عدّة الشغل.

لم يعد اليوم الذي يمر بعد الزيارة كما كان قبلها.

امتلأ البيدر الأميركي ـ الصيني ـ الروسي بغمار المحاصيل، وراح العالم يفتح أهراءه ويترقب نصيبه من المقادير. أميركا لم تعد “أولًا” على الكوكب، والصين، كقوة صاعدة، تحجز لها مكانًا رحبًا بموازاة “القوة المهيمنة”. أما الروسي، الذي استدرج الاتحاد الأوروبي إلى الملعب الأوكراني منذ خمس سنوات، فكان يحتفل، في الأمس القريب، بـ”يوم النصر” على ألمانيا النازية.

ويوم لبنان ما بعد المفاوضات ليس كما قبله، والقرار لم يعد في واشنطن وحدها، بل في طهران وتل أبيب، وأيضًا في مطبخ المتغيرات في الشرق الأوسط، وعند الزحف الدولي نحو هرمز للحصول على الأمصال التي تغذي شرايينه الاقتصادية.

ولم يعد مهمًا الدخول إلى قاعة المفاوضات، بل المهم كيفية الخروج منها وكلفته.

وبعد ثلاث جولات، لم يعد من جدوى للحديث عن هدنة. لقد أثبتت السوابق أنها مجرد عنوان لجولة جديدة من الخراب والدمار.

ويفضي الواقع إلى أن الوطن الصغير بمساحته قد تحوّل إلى ساحة يستغلها الأميركي والإسرائيلي والإيراني كورقة ابتزاز لتحسين شروط التفاوض حول “الصفقة” التي لا بد منها في نهاية المطاف.

وكل كلام عن فصل للمسارات ليس سوى وهم، لأن لعبة المصالح لا تقبل التجزئة: فإما الكل أو لا شيء. والدليل أن هناك مسارين ناشطين من بيروت حتى طهران: الحصار العسكري، والمسار التفاوضي، أي “مفاوضات تحت النار”!

وعند كل جولة، يكثر الحديث عن التوقعات، وتتسلل التحليلات إلى بواطن الأمور لاستنباش الخبايا وتظهير الخفايا. إلا أن الدبلوماسية الصينية لها مقاربة مستخلصة من واقع الحال، فحواها الآتي:

إن لبنان قد صعد إلى القطار الأميركي، لكنه ليس من يقرّر طول المسافة، وموعد النزول، ومواصفات المحطة.

إن أي وقف جدي لإطلاق النار يؤشر إلى قرب نضوج “التسوية”، كشرط من شروطها، وكمدخل لسبر أغوارها واستكشاف أسرارها.

إن القطار الأميركي لن يبلغ المحطة اللبنانية إلا بعد أن يكون قد أنجز مهمته، وتوقف أمام كل المحطات الرئيسية في المنطقة وفق مقتضيات مصالحه، بالتنسيق والتفاهم مع حليفه الإسرائيلي.

ويبقى على المفاوض اللبناني، في كل الظروف والأحوال، أن يتمسّك باتفاق الهدنة، وقرارات مجلس الأمن الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة، كمرجعية لا غنى عنها، رغم كل ما يصيبها من تهميش.

والمشكلة، كما يصفها دبلوماسي متابع، أن “لبنان أولًا” ذهب إلى واشنطن ليستجير بمظلّتها، في وقت لم تعد فيه أميركا أولًا في الشرق الأوسط. إنها عالقة في المضيق!

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img