
خلال السنة الأولى منذ عودته إلى منصبه، نجح أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجامح بالتفاوض في انتزاع تنازلات من الدول بشأن قضايا تراوحت بين الرسوم الجمركية والنزاعات المسلحة.
لكن مع إيران، يبدو أن هذا النوع من الدبلوماسية القهرية المتسمة بالتهديدات العلنية والإهانات والإنذارات النهائية قد وصل إلى طريق مسدود، وربما يقوض جهوده لإنهاء حرب عصفت بالاقتصاد العالمي.
وفي ظل الجمود بين الطرفين، يشعر ترامب بإحباط متزايد إزاء الأزمة المستمرة منذ 11 أسبوعًا، لكنه لم يُبدِ رغبة في تخفيف نهجه الدبلوماسي الفظ تجاه قادة إيران.
ويشير ذلك إلى عدم التوصل إلى تسوية سريعة عبر التفاوض، مما يؤجج المخاوف من أن المواجهة الحالية، والصدمة الأكبر على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية الناتجة عنها، قد تستمر إلى أجل غير مسمى مع جولات متكررة من سياسة أقصى الضغوط.
ويقول محللون إنه على الرغم من أن إيران تحافظ بشكل أساسي على سيطرتها الخانقة على مضيق هرمز الحيوي، ما يمنحها نفوذًا كبيرًا، فإن ترامب يصر على اتباع نهج دبلوماسي يتميز بالمطالب المتطرفة وتقلب المواقف والإشارات المتناقضة والنبرة اللاذعة.
ويضيف المحللون أن الأهم من ذلك هو إصرار ترامب على الخروج من الصراع بتصويره على أنه انتصار مطلق للولايات المتحدة حتى لو كان ذلك يتنافى مع الواقع على الأرض، في حين يتعين على الإيرانيين قبول الهزيمة الكاملة، وهو أمر مستبعد.
ويتزامن المأزق القائم في إيران مع ضغوط داخلية يواجهها ترامب بسبب ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة وتدني معدلات تأييده، بعد أن شن حربًا لا تحظى بتأييد واسع قبل انتخابات التجديد النصفي في شباط، فيما يسعى حزبه الجمهوري جاهدًا للحفاظ على أغلبيته في الكونغرس.
تهديد بالفناء
جاءت أكثر كلمات ترامب إثارة للرعب عندما هدد في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي بمحو الحضارة الإيرانية عن وجه الأرض ما لم تتوصل طهران إلى اتفاق، وهي رسالة قال مسؤولون في الإدارة الأميركية لصحيفة “وول ستريت جورنال” إنها كانت ارتجالية ولم تخضع للتدقيق ضمن استراتيجية الأمن القومي.
وتراجع ترامب في النهاية ووافق على هدنة، لكن منذ تهديده الذي أطلقه يوم “عيد القيامة”، مستخدمًا ألفاظًا بذيئة، بتدمير الجسور وشبكة الكهرباء في إيران، كرر هذا التحذير بما في ذلك أمام الصحافيين على متن طائرة الرئاسة في أثناء عودته من الصين أمس الجمعة.
وفي وقت سابق، قال ترامب للصحافيين إنهم سيعرفون أن وقف إطلاق النار الحالي قد انهار إذا رأوا “وهجًا كبيرًا ينبعث من إيران”.
وفسر البعض كلماته على أنها تهديد بنشر أسلحة نووية، وهو أمر أكد أنه لن يقدم عليه أبدًا.
كما وجه ترامب بعضًا من أقسى كلماته لقادة إيران واصفًا إياهم بـ”الأوغاد المجانين” و”المعتوهين” و”البلطجية”، وردت طهران بحملة واسعة أطلقتها للاستهزاء به عبر صور معدلة ساخرة ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويمضي ترامب في إصراره على أن إيران سُحقت تمامًا على الرغم من الأدلة التي تشير إلى عكس ذلك، ويقول إنهم يتوسلون من أجل إبرام اتفاق، ليسارع الإيرانيون إلى نفي ذلك، بينما يتأرجح هو بين المطالبة باستسلام غير مشروط والدعوة إلى تسوية عبر التفاوض.
ومع ذلك، يقول الإيرانيون إن مجرد نجاتهم من الهجوم العسكري يمثل انتصارًا لهم، ويظهرون قدرتهم على التسبب في خسائر اقتصادية فادحة.
وفي السياق، ذكر مصدران مطلعان أنه لا توجد جهود تُبذل داخل البيت الأبيض لإقناع ترامب بإبداء مزيد من ضبط النفس في رسائله بشأن إيران.
وفي حين تظهر استطلاعات الرأي أن أنصار حركته “فلنجعل أميركا عظيمة مجددًا” يدعمونه في أغلب الأحيان، فإن بعض الشخصيات البارزة التي أيدته أبدت معارضتها للحرب وانتقدت تهديداته المتطرفة.
بعد منتصف الليل
جاءت بعض أقسى كلمات ترامب، التي غالبًا ما ينشرها على منصته “تروث سوشال” بعد منتصف الليل، في لحظات نشوة حاسمة، عندما أعلن فجأة فرض حصار على موانئ إيران، فاتخذت إيران إجراءات للرد مما هدد بانهيار الهدنة الهشة أصلًا.
ويوم الاثنين الماضي، وصف ترامب أحدث مقترح سلام من المسؤولين الإيرانيين أنه “قمامة”.
وخلال زيارة ترامب إلى بكين، أحجم في أغلب الوقت عن شن هجمات لفظية قاسية على إيران، إذ كان منشغلًا بالعلاقات المهمة مع الصين، حليفة طهران وأحد الزبائن الرئيسيين للنفط الإيراني.
لكن بعض المحللين أشاروا إلى أنه من الأفضل لترامب، الذي غالبًا ما يتحدث علنًا ويجري مقابلات مرتجلة عبر الهاتف مع الصحافيين، أن يخفف من حدة خطابه نهائيًا إذا كان جادًا في إيجاد مخرج من الصراع.
إرباك الخصوم والنتائج العكسية
ويصر ترامب، المطور العقاري السابق بنيويورك الذي يصف نفسه أنه خبير في إبرام الصفقات، على أن العجز عن التنبؤ بخطواته هو أسلوب تفاوضي هدفه إرباك خصومه.
وساعده هذا النهج في الحصول على تنازلات في بعض الحالات عندما سعى إلى إبرام اتفاقيات بشأن الرسوم الجمركية مع شركاء تجاريين، على الرغم من أنه غالبًا ما كان يرضخ للقبول بأقل من مطالبه الأولية.
وفي بعض النزاعات مثل المداهمة العسكرية الأميركية السريعة ضد فنزويلا التي أدت إلى اعتقال رئيسها ومحادثات عام 2025 التي أفضت إلى وقف إطلاق النار في حرب غزة، أتت أساليب الضغط أيضًا بنتائج.
ويوضح محللون أن ترامب يريد أن يبدو خطيرًا أمام الإيرانيين لترهيبهم ودفعهم إلى التنازل بشأن برنامجهم النووي وقضايا أخرى، مشيرين إلى أنه خاض حملته الانتخابية على أساس التعهد بإبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الحروب الخارجية.
وفي هذا الصدد، استبعد مسؤولون أميركيون سابقون تفاوضوا مع إيران نجاح هذا النهج، خاصة بالنظر إلى ترسخ المؤسسات الدينية والعسكرية في إيران وفخر البلاد بتاريخها الطويل.
ويؤكد المحللون أن تهديدات ترامب ربما زادت حكام إيران الجدد جرأة، والذين يعدون أكثر تشددًا من أسلافهم، وكانت ثقتهم به قد تقلصت بالفعل بعد الهجومين الأميركيين في العام 2025 بينما كان الجانبان يخوضان مفاوضات.
ويعتقد بعض الخبراء أن نهج ترامب، الذي قال إنه يهدف في المقام الأول إلى ضمان عدم تمكن إيران من الحصول على سلاح نووي، قد يأتي بنتائج عكسية.
ويشير المحللون أيضًا إلى أن الحملة العسكرية الأميركية المقترنة بدبلوماسية ترامب القسرية قد تدفع إيران أكثر لتكثيف جهودها لصنع قنبلة نووية في نهاية المطاف، وليس العكس، حتى تتمكن من حماية نفسها مثل كوريا الشمالية المسلحة نوويًا.
وتصر إيران دائمًا على حقها في تخصيب “اليورانيوم”، وتؤكد أنه لأغراض سلمية فقط.
وما يزيد من حدة التوتر هو أن ترامب والإيرانيين يعملان على ما يبدو وفقًا لوتيرة مختلفة، فالرئيس المندفع يريد غالبًا التوصل إلى اتفاق سريع حتى يتمكن من المضي قدمًا، في حين أن الوفود الإيرانية لديها تاريخ في المفاوضات.














