spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"صفقة عقارية" بمواصفات "وطنية سيادية"!

“صفقة عقارية” بمواصفات “وطنية سيادية”!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

يمرّ بنا قطار المواعيد التفاوضية، لينقلنا من محطة إلى أخرى.

وتقتلنا كلفة الانتظار إن تخلّفنا عن الصعود، وترعبنا المفاجآت إن صعدنا، لأننا نجهل المتاهات التي قد تقودنا إليها المفاوضات!

تحدّد لنا واشنطن التواريخ، ونملأ فضاءنا بثرثرات تنمّ عن كيديات وخفّة في مقاربة ما ينتظرنا من استحقاقات. وجلّ طموحنا أن نهدر أيامنا بسجالات حول القشور وتوافه الأمور، بدلاً من الغوص في العمق، في المحتوى، وفي ما ينتظر الوفد المفاوض من وجبات مسمومة وأفخاخ قاتلة!

يحدّد لنا الراعي الأميركي المهل، ومراحل التفاوض، وعدد الجولات، والوقت المخصّص لكل جولة، ومواضيع البحث، وجدول الأعمال. ويغيب عن البال أن القطار التفاوضي سينقل لبنان الذي نعرفه إلى لبنان آخر نجهل مواصفاته.

يذهب المفاوض اللبناني ليطالب بدعم الدولة، ورموزها، ومؤسساتها، وتمكينها من إدارة شؤون الكيان، واستعادة قرار الحرب والسلم.

إن الدولة، في ظل المعادلة الإقليمية الراهنة، مجرّد مذياع، أو راديو ما زال شغّالاً داخل سيارة انزلقت من على جسر عالٍ نحو وادٍ سحيق، وجاءت الرافعة الأميركية لترفعها ضمن شروط ومواصفات محددة، قبل أن يصار إلى إصلاحها وتأهيلها من جديد.

وعملية الإصلاح وإعادة التأهيل قد لا تكون طبقاً للمواصفات التي تنادي بها الفئويات اللبنانية.

أساساً، هذه الفئويات لم تبنِ دولة منذ الاستقلال، بل اكتفت باختيار مجالس إدارة تتوافق على أسمائها وفقاً للديمقراطية التوافقية، وشرطها الوحيد أن ترعى هذه المجالس وتحمي الفساد والفاسدين، طبقاً لمصالح الجمهوريات الطائفية.

ومصالح الطوائف والفئويات سمحت بتعدّد الولاءات، وشرّعت أبواب الكيان أمام التدخلات الخارجية: من المدّ الناصري، إلى المدّ الفلسطيني، إلى المدّ الإسرائيلي الأول، إلى المدّ السوري، إلى المدّ الإيراني، وصولاً إلى المدّ الإسرائيلي المتغلغل الآن… فهل تعيد المفاوضات إلى الدولة اعتبارها؟ وتحت أي سقف؟ ووفق أي شروط؟!

ويذهب المفاوض اللبناني إلى واشنطن ليطالب بـ”10452 كيلومتراً مربعاً” من دون اجتزاء أو اقتطاع، وبالسيادة الوطنية عليها.

يذهب ليقنع الوسيط الأميركي بتحرير الوطن المغلوب على أمره من الهيمنتين: الإسرائيلية والإيرانية.

يذهب لإبطال عملية الابتزاز، وإنقاذ ما تبقّى من تحت المطرقة الإسرائيلية والسندان الإيراني. وهذه العملية ليست سهلة، ويعترضها عاملان:

الأول: إن البعض في الداخل حريص أشد الحرص على السندان الإيراني، بحجة مواجهته المطرقة الإسرائيلية، ويعلنها صريحة بأن المفاوضات المباشرة لا تعنيه، وهو ضدها، ولن يخضع لنتائجها، وسيحاربها بشتى الوسائل. ويؤكد أن إيران هي التي تفاوض نيابة عن لبنان، وأن أي قرار لوقف إطلاق النار قد تتوصل إليه سيكون مقبولاً من جانبه ومحترماً!

الثاني: أن هذا البعض يملك قرار الحرب والسلم، وسبق له أن زجّ لبنان في حربين إسناديتين، وأدخله عنوةً في لعبة المحاور. وهذا ما يرتّب مسؤوليات ومضاعفات؛ ذلك أن المفاوض اللبناني يقول إنه هو من يفاوض عن لبنان، وليس إيران، لكن الحجة هنا تبدو ضعيفة وغير متماسكة، نظراً إلى المواقف المعلنة الصادرة عن الرقم الثاني في هرم السلطة، نبيه بري، الذي له مواقف مغايرة، وعلى تواصل مستمر مع نظيره الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي.

ومن المضاعفات أيضاً أن المفاوض اللبناني لا يذهب وحده ضعيفاً مستفرداً، بل يقول إن هناك كوكبة من الدول الشقيقة والصديقة تدعمه في التفاوض المباشر، لكن المشكلة أن الأسهم التي تتمتع بها هذه الدول لا قيمة فعلية لها في البورصة الأميركية، وليست في وضع المتمكن القادر على أن “يمون” على الوسيط الأميركي والعدو الإسرائيلي!

وينبع القلق حول مصير الـ”10452 كيلومتراً مربعاً” من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ـ وليس غيره ـ هو من قال يوماً بـ”المنطقة الاقتصادية” الترامبية “المزدهرة” داخل لبنان وعلى طول الشريط الحدودي مع الكيان الإسرائيلي. فهل تخلّى فعلاً عن هذا المطلب؟ وإذا فعل، فهل هو مستعد لإرغام “إسرائيل” على الانسحاب من الشريط الحدودي الذي تصرّ عليه، وبعمق لا يقل عن 10 كيلومترات؟ وماذا لو أقنع الأميركي الوفدين المفاوضين بأن يبقى هذا الشريط تحت الرعاية الأميركية، بحيث تعود مؤسسات الدولة الرسمية إليه، على أن يبقى “منطقة حرة” للاستثمار المتعدد الهويات والجنسيات؟!

ويذهب المفاوض إلى واشنطن ليطالب بـ”حياد إيجابي” للبنان عن المحاور الإقليمية والدولية، مستنداً إلى فلسفة انتمائه إلى جامعة الدول العربية، كونه مع الإجماع العربي عندما يتأمن الإجماع، وعلى الحياد عندما تحتدم الخلافات العربية ـ العربية.

ويذهب المفاوض ليطالب باستمرارية المظلة الأممية ـ الدولية، وبالقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، انطلاقاً من اتفاقية الهدنة اللبنانية الإسرائيلية 1949 التي ترسم الحدود البرية مع الكيان الإسرائيلي، إلى سائر القرارات الدولية ذات الصلة، بدءاً من القرارين 425 و426، وصولاً إلى القرار 1701. فهل ينجح في تفكيك العقد الأميركية ـ الإسرائيلية، وإقناع الوسيط الأميركي بالتعاطف مع هذا الطموح، في الوقت الذي تفعل فيه معاول الرئيس ترامب فعلها في هدم هيكل المنظمة الدولية، وإضعاف مؤسساتها الفاعلة، والاستعاضة عنها بـ”مجلس السلام” الذي يرأسه لحل النزاعات الدولية، انطلاقاً من رؤيته حول غزة ومستقبل القطاع؟!

لقد أكدت الأعاصير المتآلبة أن لبنان ما كان يوماً يقيم وزناً للمواعيد والاستحقاقات، والدليل ذلك الفراغ الذي كان يتمدّد طويلاً تحت قناطر المؤسسات الرسمية.

لكن المواعيد الآن مختلفة، وقد انطلق قطار المفاوضات ناقلاً لبنان الذي نعرفه إلى لبنان الذي نتمنى أن يكون؛ من ضفة معروفة المواصفات، إلى ضفة طبيعتها الصفقات والاستثمارات، ورائحة الغاز والنفط المتسرّبة من حقول لبنان البحرية، والتي تزكم أنف الرئيس ترامب، كونه “مطوّراً عقارياً” ناجحاً!

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img