| خلود شحادة |
في الجنوب، لم تعد الحرب خبراً عاجلاً يُقرأ على الشاشات، بل حياةً يومية مكتظة بالخوف والرماد والوداع.
هناك، حيث البيوت تُقصف فوق ذكرياتها، والطرقات تُراقَب بالمسيّرات، والأمهات ينتظرن أبناءهن بين غارة وأخرى، صار الموت تفصيلاً متكرراً في يوميات الناس.
الجنوب الذي اعتاد أن يدفع ثمن حماية الوطن، يُترك اليوم وحيداً في مواجهة آلة قتل وحشية، تُبرّر لها وسائل اعلام تظنّها للحظة.. تنطق بالعبرية!
وفي يومٍ آخر من هذا العدوان، شهد الجنوب عشرات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت المنازل والسيارات والدراجات النارية، مخلفةً عشرات الشهداء والجرحى، وسط دمارٍ يتسع من قرية إلى أخرى.
كما واصل جيش الاحتلال سياسة تفجير الأحياء السكنية والقرى الحدودية، بالتزامن مع فرض إخلاءات جديدة جعلت أجزاء واسعة من الجنوب مناطق محرّمة على أهلها، الذين باتوا يعيشون نزوحاً قسرياً وحرماناً حتى من حق العودة إلى بيوتهم.
ورغم حجم النار والخراب، واليوم الثقيل نسبياً بعدد غاراته واتساع رقعة عدوانه، استمرت المقاومة بتنفيذ عمليات نوعية ضد مواقع وتحركات إسرائيلية، مؤكدة أن التصعيد لم ينجح في كسر إرادة المواجهة.
في المقابل، يزداد المشهد الداخلي قسوةً مع صمت السلطة اللبنانية الحالية وعجزها الفاضح. سلطة تكتفي ببيانات باردة، حتى اعتبرت أنه لا داعي لاصدار البيانات.. تحت شعار “شو كل ما قصفو بدي استنكر”، وتتصرّف وكأن الجنوب خارج أولوياتها، وخارج حدود “ولاياتها”.. فيما الناس يُقتلون ويُهجّرون يومياً.
لا خطة حماية، لا موقف حازم تجاه خرق الهدنة المزعومة، ولا حتى اعتراف بحجم الكارثة.
المهم بالنسبة لهذه السلطة أن تغرق في التحضيرات لجلسة تفاوض مباشرة جديدة مع العدو الإسرائيلي، وهي لم تستطع أن تحفظ ماء وجهها في وقف إطلاق النار.
وبين عدوانٍ مفتوح وصمتٍ رسمي مهين، يشعر أبناء الجنوب أنهم متروكون وحدهم، يقاتلون الموت والإهمال في آنٍ معاً.
وفي خضم هذا التصعيد، تتجه الأنظار أيضاً إلى المفاوضات الإيرانية – الأميركية الجارية، والتي يحضر لبنان فيها بشكل غير مباشر، لا عبر دولته الغائبة، بل عبر واقع الميدان نفسه.
فمع استمرار تقاعس السلطة اللبنانية وعجزها عن حماية شعبها، أو فرض أي موقف سيادي واضح، باتت إيران عملياً تفرض المشهد اللبناني المرتبط بالمواجهة كبند رئيس، فيما السلطة تكتفي بالنكايات السياسية، متكلة على “محبّة” الدولة المزوّدة للعدو بآلات قتل اللبنانيين.
وفي الوقت الذي يُذبح فيه أبناء الجنوب، يتمحور جلّ اهتمام رئيس الحكومة نواف سلام حول صحة العلاقات مع “الشقيقة سوريا”، محذراً من أي محاولة لزعزعة علاقات “السمنة على عسل” بين لبنان وسوريا.














