spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةخطاب اللحظة الأخيرة للرئيس عون!

خطاب اللحظة الأخيرة للرئيس عون!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| طوني عيسى |

واضحٌ أنّ الوقت ينسحب من تحت أقدام الدولة اللبنانية. ومع تقلّص مهلة الأسبوعَين الإسرائيلية، يدخل لبنان أكثر فأكثر منطقة الخطر الحقيقي، في ظل معادلة مستحيلة: القوى الداخلية المؤثرة لا تُبدِّل من نهج «التشاطر السياسي»، وكذلك إسرائيل لا تُبدِّل نهج استغلالها للموقف لتتمدَّد في الجنوب.

على الأرجح، بدءاً من منتصف أيار، ستفرض واشنطن على الحكومة اللبنانية أن تختار بشكل عاجل ونهائي: إمّا أن تُثبت أنّها قادرة على الإمساك بزمام المبادرة في البلد، وإمّا أن تعلن استقالتها وعجزها. وحينذاك، ستكون كل الاحتمالات واردة، من جانب الأميركيِّين وإسرائيل. وجاء بيان عوكر الأخير ليُحدِّد هذا الاتجاه بوضوح، إذ ورد فيه: «انتهى زمن التردُّد».

 

عملياً، يعني ذلك، وفي الدرجة الأولى، عودة الحرب إلى الجنوب، واحتمال توسيع إسرائيل رقعة سيطرتها هناك. وفي عبارة أخرى، تعريض الكيان اللبناني لضربة جديدة، هي الثالثة في أقل من ثلاثة أعوام، وقد لا يمكن الشفاء منها. وهذا الواقع سيكون حتمياً إذا سدّت سبل الديبلوماسية وانفتحت أبواق المدافع وقاذفات الصواريخ والمسيّرات والمقاتلات. وهو تحديداً ما يعمل الرئيس جوزاف عون، ومعه الرئيس نواف سلام، لتجنّبه. ومن هنا، يُطرح السؤال الوجودي: ماذا يملك رئيس الجمهورية في جعبته لإنقاذ ما أمكن من الكيان قبل أن تقع الواقعة الجديدة؟

 

ففي الواقع، كان إيجاد المخرج أسهل في نهاية أول حرب، وهو اليوم يبدو صعباً لكنّه بالتأكيد أسهل ممّا سيكون في نهاية الحرب المقبلة، الثالثة. وهذا يستدعي من أركان الحكم أن يتحرّكوا اليوم سريعاً ويغتنموا الفرصة، ولو كانت صعبة.

 

يعني هذا أنّ الدولة اللبنانية مدعوة اليوم في شكل طارئ إلى مواجهة التحدّي المزدوج بلا تأخير ولا خوف. فبين خيار الاستسلام للضغط الداخلي الرافض لمفاوضة إسرائيل في المطلق، وخيار الاستسلام للضغط الخارجي الداعي إلى التفاوض المباشر على أرفع مستوى، ستصطدم الدولة حتماً بالجدار المسدود، أي إنّها مقبلة على كارثة أياً كان اختيارها، سواء دخول المفاوضات أو رفضها. ولكن هناك مخارج صغيرة يمكن استخدامها على الأقل للتخفيف من حدّة الارتطام، إذا كان الحل المثالي متعذّراً؟

تقول مصادر سياسية، إنّ ​السلطة التنفيذية قادرة على اعتماد استراتيجية «الهجوم الصاعق»، بدعم داخلي وعربي ودولي في آنٍ معاً. وهذا الدعم هو الذي سيُتيح لها التغطية القوية في اتجاه الداخل والخارج، فلا تبدو أي خطوة يُقدِم عليها الرئيس عون عملاً متفرِّداً، أي مغامرة.

 

ففي الواقع، أعلن الرئيس عون أنّه سيذهب إلى أي مكان من أجل إنقاذ البلد. وهذا موقف جريء ومتقدِّم جداً. لكنّه في الواقع يدرك أنّ الذهاب إلى العاصمة الأميركية بقرار غير توافقي داخلياً ينطوي على تحدّيات كبيرة في بيئة محتقنة طائفياً. وفي المقابل، إنّ عدم الذهاب ينطوي على مخاطر أميركية وإسرائيلية خطرة. لذا، فإنّ المخرج الأول والحيوي يكمن في تظهير لقاء واشنطن بحجمه الحقيقي كمهمّة إنقاذ يفترض أن تحظى بتغطية داخلية وإقليمية. وفي عبارة أخرى، رئيس الجمهورية مجبر على تكوين مظلة وطنية وتفويض عربي ودولي لمهمّته.

 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التحرُّك اللبناني المكثف خصوصاً تجاه الرياض وباريس، وطبعاً واشنطن، بهدف انتزاع تكليف عربي – دولي صريح. وعندما يذهب عون إلى البيت الأبيض بوصفه «حامل ضمانات» عربية ومفوَّضاً من مظلة دولية، فإنّه يستطيع تكوين سدّ في مواجهة إسرائيل من جهة، وفي وجه «فيتو» التخوين الداخلي. وبهذه التغطية، لا يعود الرئيس «متفرِّداً»، بل يصبح «ممثلاً» لإرادة عربية ودولية، تدعم إرادة غالبية اللبنانيِّين. وهذه التغطية تجعل القوى المحلية الرافضة في مواجهة، لا مع الدولة وغالبية اللبنانيِّين، بل مع العمق العربي والدولي الذي يمثل رئة لبنان الأخيرة. ولا أحد في الداخل سيجرؤ على خوض هذه المواجهة عارياً.

 

وترى مصادر سياسية، أنّ على أركان السلطة التنفيذية أن يعتمدوا هذا الخيار بلا تردُّد، وأن يبذلوا كل جهد لاستكمال المقوِّمات الضرورية لنجاحه. وأمّا ​الخطوة الجريئة المكمّلة، فيجب أن تكون، في رأي المصادر، «خطاب مصارحة» يُوَجَّه إلى اللبنانيِّين جميعاً، والشيعة أولاً، وإلى المجتمعَين العربي والدولي، ويضعهما أمام مسؤولياتهما. وفي غياب التوافق السياسي، هذا الخيار سيمنح الرئيس شرعية شعبية ودعماً خارجياً في آن معاً.

 

وللتذكير، إنّ أوتوسترادات النبطية وصور وصيدا التي تغص بالنازحين، والقرى الجنوبية التي تُمسح عن الخارطة، هي «أوراق القوة» التي يجب أن يضعها الرئيس على الطاولة أمام المعترضين على المفاوضات في الداخل، ولاسيما الشيعة. فالبيئة المتضرّرة من الحرب، سيكون أمامها خطاب مصارحة واضح ومسؤول، يضعها أمام الحقائق بدل الأوهام: إمّا التفاوض المباشر لاستعادة الأرض، وإمّا التهرُّب وانتظار أن تعود إسرائيل إلى حرب ستمحو مساحات واسعة من القرى والمدن الجنوبية، وتُهجّر أهلها. وهذا «الاستفتاء الأخلاقي» أمام الناس سيضع القوى المعترضة أمام مسؤولياتها التاريخية، لأنّ ما سيأتي بعد خيار رفض التفاوض هو الانتحار. وعلى الأقل، لن يتحمّل الرئيس مسؤولية تاريخية عن ابتلاع الجنوب اللبناني وتدمير قراه وتهجير أهله.

 

​إنّه تحديداً «خطاب اللحظة الأخيرة» الذي يفترض أن يطل به الرئيس على اللبنانيِّين والعالم، الذي سيكون بمثابة إعلان جريء عن الحقائق المرّة، لمصلحة بقاء الكيان. وإذا نجح عون وسلام في دمج التغطية الخارجية، مشفوعة بـ«التفويض الأخلاقي الشعبي»، فإنّهما سيخلقان قوّة دفع تجعل من زيارة واشنطن مدخلاً حقيقياً للإنقاذ.

 

​فزمن «التذاكي» السياسي والطائفي انتهى تحت أنقاض منازل الجنوبيِّين. والمخرج الوحيد المتاح للرئيس هو أن يكون «رئيس القرار الصعب»: فإمّا أن يعبر إلى واشنطن محصّناً بالعرب والناس، وإمّا أن يظل أسيراً لـ«الفيتو» الداخلي الذي سينتهي حتماً بإبقاء لبنان لقمة سائغة لجرافات نتنياهو وصواريخه ومقاتلاته ومسيّراته التي لا تنتظر أحداً. والتاريخ سيحكم.

spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img