spot_img
spot_img
الرئيسيةأمن و قضاءهل يهتز الإستقرار الداخلي الهش؟

هل يهتز الإستقرار الداخلي الهش؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جوني منيّر |

كلّما تقدَّم الوقت باتجاه منتصف الشهر، أو بمعنى أوضح باتجاه نهاية المهلة الزمنية الممدَّدة لقرار وقف النار، وهي المهلة القصوى التي حدَّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحصول زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى البيت الأبيض للقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، كلّما ازداد العنف العسكري في جنوب لبنان وارتفع التوتر السياسي، والمصحوب بخطابات تصعيدية مع تلويح بتحرُّكات في الشارع. وبات واضحاً أنّ التصعيد الميداني هدف إلى جعله أداة ضغط لدفع لبنان للتحرُّك باتجاه اجتماع البيت الأبيض، في وقت حمل فيه بيان السفارة الأميركية رسائل قوية وغير مألوفة ديبلوماسياً، لينتهي بعبارة ضغط واضحة: انتهى وقت التردُّد.

لم يعُد أمام لبنان الكثير من الوقت ليعلن جوابه الرسمي حول دعوة ترامب. ولا شك أنّ رئاسة الجمهورية في وضع صعب إزاء الموقف الواجب اتخاذه. ففي حال الإعتذار والرفض، سيكون عليها توقّع ردّ فعل قاسٍ من شخص صعب المراس مثل ترامب. وهو ما قد يعني منح نتنياهو الحرّية العسكرية الكاملة في لبنان، بالإضافة إلى التضييق الديبلوماسي عليه. وقد تكون الرسالة المطلوبة من التصعيد العنيف الذي تقوم به إسرائيل في جنوب لبنان، يصبّ في هذا الإطار. فمنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، وفق بنود البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، جرى إبلاغ بيروت بأنّ واشنطن حدَّدت لإسرائيل المنطقة الجنوبية، كمكان مسموح لها فيه القيام بعمليات عسكرية «طابعها دفاعي»، على ألّا تصل إلى مستوى الإقتحامات البرية الواسعة، على رغم من أنّ إسرائيل تحرَّكت براً، وسط استهدافات واسعة وعمليات هدم وجرف للمنازل والقرى. لكنّ واشنطن منعت إسرائيل من تجاوز عملياتها المنطقة الجنوبية وصولاً إلى بيروت وحتى البقاع، إلّا بعد نيل موافقة مسبقة من القيادة الوسطى الأميركية، والتي ستنظر بالهدف المطلوب والتوقيت المقترح. وفي وقت التزمت فيه إسرائيل في بيروت والضاحية، على رغم من أنّ طائراتها ومسيّراتها لم تغِب عن الأجواء، فإنّها عمدت إلى اختبار واشنطن عبر استهداف موقع في البقاع. لكن سرعان ما أبلغت واشنطن رفضها للخرق. ولأنّ الساحة اللبنانية تخضع للرقابة الأميركية الكاملة، فإنّ التصعيد الكبير الذي طال المناطق الجنوبية خلال الأيام الماضية، والذي وصل إلى حدود الدعوة لإخلاء القرى والبلدات والمصحوب بعمليات التدمير والجرف، فإنّه فُهِم بأنّه رسالة ضغط أميركية تقول: إذا رفضتم لقاء المصالحة والمصافحة مع نتنياهو فإنّ البديل سيكون قاسياً وقوياً. ولا شك أنّ التصعيد الحاصل يشمل توجيه رسائل ضغط أيضاً باتجاه «حزب الله» عبر البيئة الموجوعة أساساً. وفي الوقت نفسه عَمَد «حزب الله» في المقابل إلى رفع مستوى ردّه الناري في رسالة معاكسة. لكن وعلى رغم من هذه الحماوة فإنّه لا توجد مؤشرات إلى استعدادات إسرائيلية لاستعادة كامل مشهد الحرب، إذ إنّ التبديلات العسكرية أدّت إلى سحب معظم القطع الهجومية واستبدالها بقوى نظامية دفاعية.

وإلى جانب الرسائل الميدانية جاءت الرسالة السياسية «الأغرب»، عبر بيان السفارة الأميركية. وهذا البيان لم يأتِ من فراغ، بل كان بمثابة أداة ضغط سياسي مركّبة تحمل نتائج محتملة على لبنان. هذا البيان غير مألوف في السلوك الديبلوماسي. فهو يدعو للقاء بين بلدَين، في وقت لا تزال فيه الحرب دائرة بينهما. وهو يعلن عن بدء مرحلة حاسمة، فإمّا الدخول في تسوية «تاريخية» برعاية أميركية، أو مواجهة ضغط سياسي وعسكري متصاعد. إدارة ترامب تقول عبر البيان للرئيس اللبناني: لديك الفرصة التاريخية لتأكيد «شراكتنا»، لكن يجب الدخول في مسار تفاوضي والقبول بترتيبات أمنية وضبط «حزب الله». وهو ما يعني إحراج الرئاسة عبر وضعها أمام أحد خيارَين: إمّا القبول والذهاب إلى المصافحة، أو الرفض وخسارة الدعم الأميركي. والبيان يربط ضمناً بين وقف إطلاق النار والمفاوضات السياسية. واستطراداً، فإنّ لا ضمان لوقف شامل وثابت للنار من دون زيارة واشنطن. كما أنّ الإنسحاب الإسرائيلي «جزء من التفاوض» وليس شرطاً مسبقاً. وبالتالي يصبح هنا الهدوء الميداني أداة ضغط لدفع لبنان نحو الذهاب. فلا دعم إقتصادياً ولا ضمانات أمنية في حال عدم الموافقة على المصافحة. وبالتالي، فإنّ البيان ليس ديبلوماسياً بقدر ما هو عرض وإنذار ناعم في الوقت نفسه. لكنّ الوقت محدود والقرار يجب أن يُتخذ.

لكن ماذا لو قَبلَ لبنان تلبية عرض ترامب؟ وهو الخيار الذي ترجّح حصوله أوساط ديبلوماسية أميركية. فهي ترى أنّ اللقاء سيحصل في البيت الأبيض، وأنّ لبنان غير قادر على الرفض، لأنّ ذلك سيعني خسارة الغطاء الدولي. لكنّها تعتقد أنّ لبنان لن يقبل بالشروط علناً لتفادي انفجار داخلي. وإنّ لبنان قد يذهب إلى البيت الأبيض تحت عنوان حماية لبنان، مع سعي لكسب أكبر قدر من الوقت، أي عبر سياسة الموازنة بين الضغط الأميركي والتوازن الداخلي. لذلك، فإنّ هذه الأوساط تعتقد أنّ لبنان قد يسلك مسار «التمرير الناعم»، أي قبول الدعوة والذهاب إلى واشنطن والدخول في نقاشات لكن من دون إعلان اتفاق، ومحاولة تأجيل القرارات الكبرى، والتمهيد داخلياً عبر التسويق بأنّ الزيارة هي لوقف الحرب وحماية لبنان وتأمين مطالبه.

ولواشنطن خطتها لتمهيد الطريق أمام حصول اللقاء. فهي ستعمل على استباق الموعد بإلزام إسرائيل بوقف كامل وشامل لإطلاق النار. لكنّ السؤال هنا ما إذا كان «حزب الله» سيلتزم في ظل توجيه رسائل اعتراض. كما ستطرح واشنطن إثر الإجتماع حزمة دعم متكاملة: دعم مالي، إعادة إعمار، وضمانات أمنية. في مقابل إلتزام واضح بمسار سياسي وأمني وخطوات عملية على الأرض.

لكنّ السؤال الأهم يبقى حول كيفية تفاعل «حزب الله»، ومن خلفه إيران، مع الإجتماع في حال حصوله؟ لا شك بأنّ أي حركة أو إتفاق أو تسوية تؤدّي إلى تقليص نفوذ «حزب الله» ستتعاطى معه على أنّه خسارة استراتيجية لها. لذلك من غير المتوقع أن تقف إيران مكتوفة الأيدي أمام مسار كهذا. لا بل قد تسعى إلى إفشاله بطرق مباشرة وغير مباشرة. وتدور سيناريوهات عدة في الكواليس الديبلوماسية، بعضها يتحدّث عن وجود قرار بإغلاق المطار والطرق المؤدّية إليه باعتصامات شعبية تمنع عودة الوفد اللبناني إلى بيروت. لا بل فهي تتحدّث عن تحرُّكات شعبية تتعدّى المطار وصولاً إلى مناطق أخرى حساسة. كذلك الدفع باتجاه شلل حكومي وانقسام حاد قد يصل إلى حدود استقالات وتعطيل مؤسسات وتوتر أمني داخلي.

ولفتت في هذا الإطار الزيارة التي قام بها رئيس لجنة «الميكانيزم» الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد إلى بيروت بعد انقطاع لأشهر، حيث اجتمع مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل بناءً لطلب كليرفيلد. وهذا النوع من الإجتماعات عادةً يسبق ترسيم قواعد أمنية جديدة جنوباً، وتوسيعاً لمهام الجيش، وربما إعادة تفسير أو تعديل تطبيق القرار الأممي 1701. واختيار كليرفيلد قاعدة بيروت الجوية كمكان للإجتماع يهدف لإعطاء الطابع العملياتي وليس السياسي للقاء، وإنّ الموضوع أمني وميداني بحت. وليس مستبعداً أن يكون الجنرال الأميركي قد تطرّق إلى الأوضاع الأمنية الداخلية. فهذا الإجتماع يشير إلى إشراف أميركي تقني وعسكري وليس ديبلوماسياً فقط، وأنّ واشنطن دخلت في صلب إدارة التفاصيل الميدانية جنوباً مع التأثيرات الداخلية، وليس فقط رسم الخطوط العامة. لذلك لا يمكن اعتبار اللقاء تفصيلاً جانبياً، بل إشارة إلى بدء إدارة دولية مباشرة للملف الأمني في لبنان عبر «الميكانيزم»، مع رعاية للجيش وتمهيداً لدور أوسع ولإعادة رسم خطوط الإشتباك.

في الواقع، ثمة مشاريع لا تزال غامضة بعض الشيء، تعمل إدارة ترامب على ترتيبها في لبنان. فلقد تحدّث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وبعبارة سريعة حول إنشاء قوة محدودة داخل الجيش يجري تجهيزها بأسلحة أميركية متطوّرة، وتشكّل ما يشبه القوّة الضاربة والمميّزة. وعندما يتحدّث وزير الخارجية عن مشروع كهذا عبر الإعلام، فهذا يعني وجود مشروع كامل يجري بلورته، خصوصاً أنّه جرى إرفاق ذلك بتوجيه رسالة صارمة بعدم لحظ مساعدات عسكرية في مشروع الموازنة الأميركية للعام المقبل. وهو ما يعني إعادة ترتيب الأوراق الداخلية للجيش، وحيث أبدت واشنطن امتعاضها في السابق حيال خشية لبنان من إنقسام الجيش في حال ذهابه إلى مواجهات داخلية. لكن، وحتى الآن، لم يتلقَ لبنان أي إحاطات أو حتى خطوط عريضة لما تحدّث عنه روبيو. مع الإشارة هنا إلى القاعدتَين العسكريّتَين اللتَين يعمل الجيش الأميركي على إعادة تجهيزهما في قبرص، وتتضمّنان ترتيب مهبط لمروحيات قتالية متطوّرة. ومن البديهي الإستنتاج بأنّ لبنان يدخل ضمن دائرة عمل هذه المروحيات.

وفي هذا الوقت، يستمر الإنقطاع الكامل بين قيادة «حزب الله» وكل من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وحتى قيادة الجيش. وهو مؤشر يبعث على القلق، لاسيما وأنّ علاقة رئيس المجلس النيابي نبيه بري تشهد تباينات واضحة، على الأقل في العلن، مع قصر بعبدا. ومع ذلك تشير أوساط ديبلوماسية أميركية إلى أنّ التحوُّلات الأخيرة في المنطقة، بما في ذلك الضغوط الإقتصادية والعسكرية، قد دفعت إيران إلى تبنّي مقاربات أكثر واقعية في بعض الملفات. كما أنّ الحرب الأخيرة أظهرت حدود قدرة وكلائها على فرض معادلات جديدة، وفق ما تعتقده هذه الأوساط، ما قد يفتح نافذة محددة لإعادة التفاوض على أدوارهم ضمن ترتيبات إقليمية مختلفة.

على رغم من ذلك، فمن الخطأ الإعتقاد أنّ «حزب الله»، ومن خلفه إيران، سيسلّمان بهدوء للتحوُّل الكبير الذي سيحدثه لقاء مباشر بين عون ونتنياهو. أضف إلى ذلك، أنّ الإشارات السعودية تحمل الإلتباس. فصحيح أنّ حلفاء المملكة في لبنان يؤيّدون بقوة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وأنّ المؤتمر الذي عُقِد بدعوة من النائب فؤاد مخزومي في فندق «فينيسيا» هَدَف وبشكل واضح إلى تأمين غطاء سني قوي لهذه المفاوضات، إلّا أنّه بقي ملتبس التعابير حيال اللقاء المباشر والمصافحة بين الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة الإسرائيلية. كما أنّ رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع عدّل من موقفه بعد زيارة الأمير يزيد بن فرحان له. ففيما أبدى بداية حماسته لحصول اللقاء والمصافحة، عاد بعدها وربط موقف لبنان بالموقف الخليجي.

لا شك أنّ لبنان أمام فترة في غاية الدقة والصعوبة. فالنتائج التي قد تتأتى من معاكسة ترامب لن يستطيع تحمّلها، والذهاب إلى المشروع المطروح سيفتح الأبواب أمام اهتزازات داخلية كبرى. هذا من دون إغفال احتمال توجيه ضربة عسكرية أميركية جديدة وسريعة إلى إيران، وهو ما تضعه طهران جدّياً في حسابها. وفي هذه الحالة، فإنّ النار ستشمل حتماً لبنان، على المستويَين الخارجي والداخلي هذه المرّة، خصوصاً وسط اشتداد التنازع القائم عليه.

spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img