| جورج علم |
الكلّ عالق في المضيق، والمضيق محاصر.
هرمز يحاصر العالم اقتصاديًّا، كونه واقعًا بين حصارين: إيراني وأميركي. وعلى صفحة مياهه المتكسّرة تتهادى مفاوضات معقّدة، يصفها البعض بـ”المزاجيّة”، طبقًا للمواقف “الترامبيّة” المتقلّبة.
قد يكون للرئيس دونالد ترامب مصلحة في أن يتصدّر الإعلام، ويستأثر بالكلام، ليؤكّد أنّه “المرجع الاستثنائي الفريد” الذي يحمل مفاتيح الأقفال المجنزرة.
لكن الحقيقة أبعد من ذلك؛ فالحلّ والربط ليسا عنده وحده، بل عند الروسي، والصيني، والهندي، والأوروبي، وتجمّع الدول المتضرّرة من انقطاع شريان الطاقة.
أفضى الحصار إلى محاولة مكشوفة لفرض هيمنة أميركيّة على اقتصاديات العالم.
نجحت “الترامبيّة” في حصار فنزويلا، واقتياد رئيسها نيكولاس مادورو مخفورًا إلى نيويورك، والاستيلاء على نفطها، والتحكّم بأصوله وفروعه.
ونجحت ـ لغاية كتابة هذه السطور ـ في فرض حصار على المضيق النفطي الأبرز والأهمّ في الشرق الأوسط، لكن النتائج، حتى الساعة، غير مرضية، تكشفها التصريحات الصادرة عن “المطوّر العقاري” المقيم في البيت الأبيض، والتي تتقلّب صعودًا وهبوطًا كأسهم البورصة!
ولبنان بدوره في المضيق. إنّه محاصر في مضيق المفاوضات، والمفاوضات محاصرة في مضيق الحسابات الفئويّة المحليّة النهمة.
اللبنانيّون مختلفون حول العنوان: هل يفترض أن تكون المفاوضات مباشرة أم غير مباشرة؟ وفي الحالين، لا يملكون القرار، ولا ترف الاختيار، لأن الدولة التي يفترض أن تفاوض بإسمهم، ونيابة عنهم، محاصرة بدورها بين السندان الإيراني والمطرقة الإسرائيليّة، فضلًا عن غياب التماسك بين مكوّناتها.
لقد احتلّ الرئيس ترامب مكانه وسط الصورة التفاوضيّة، ويعوّل لبنان الرسمي على مكانته، كونه الوحيد القادر على مخاطبة “إسرائيل”، والضغط على بنيامين نتنياهو كي يدوّر زواياه الحادّة. لكن الصورة لم تنتج، حتى الساعة، وساطة معلنة فاعلة يُعوَّل عليها، ولم تقدّم الأميركي حكمًا عادلًا، نزيهًا، غير منحاز، قادرًا على إعادة الحقّ إلى أصحابه.
قال بالهدنة لأسابيع معدودة، لكنّه سرعان ما رمى بها في حقل الألغام، بعدما منح نتنياهو “صكّ براءة”، وأطلق يده في “مواجهة أي خطر يستشعره في لبنان”!
وماذا بعد؟
بصراحة، إنّ الهدنة “الترامبيّة” مجرّد عنوان لمسار من ثلاثة فصول.
الأوّل: منح نتنياهو الوقت الكافي ليفرض أمرًا واقعًا على المفاوض اللبناني.
لكن هذه الفرضيّة تبقى زئبقيّة، لأنّ التوغّل الإسرائيلي سيبرّر ردّ الفعل العكسي، ويفاقم حصار الدولة ورموزها حتى حدود الاختناق، بحيث لا يبقى لها قدرة على التفاوض. وعندها، ربما يُقدم المفاوض على تقديم استقالته، بدلًا من أن يذهب إلى المكان الذي يحدّده ترامب لتملى عليه شروط الاستسلام!
إلّا أنّ المتفائلين يغيّرون نمطيّة هذه الصورة التشاؤميّة، ويؤكّدون أنّ الذهاب إلى المفاوضات هو لإنقاذ الدولة أولًا، ثم لبنان الدولة ثانيًا.
وإذا بقي هذا لبنان محاصرًا بين السندان الإيراني والمطرقة الإسرائيليّة، فلا حاجة إلى المفاوضات، وليذهب اللبنانيّون بعيدًا في انقساماتهم على أنقاض الـ10452 كيلومترًا مربعًا!
الفصل الثاني: أنّ حقيقة الخلاف حول المفاوضات هي، في جوهرها، خلاف حول من يفترض أن يكون المفاوض. هل هو رئيس الجمهوريّة، المسلّح بالمادة 52 من الدستور، أم “الأخ الأكبر” الرئيس نبيه برّي، الذي فاوض وتوصّل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحريّة مع “إسرائيل” عبر الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين؟
لقد أعلنها الإيراني بصراحة متناهية عندما أصرّ على أن يكون وقف إطلاق النار في لبنان بندًا أساسيًّا في ملفّه التفاوضي مع الأميركي. وعندما رفض الرئيس جوزاف عون أن يفاوض الإيراني نيابة عن الدولة اللبنانيّة، ثارت ثائرة المحور في الداخل، وشنّ هجومًا على رئيس الجمهوريّة، وخوّنه، ورفض المفاوضات المباشرة، وأكّد تمسّكه بالسلاح والمواجهة.
وتبدو العقدة هنا مثلّثة الأضلع:
أن تفاوض إيران عن لبنان، فهذا مسموح، ومرحّب به. لكن أن يفاوض رئيس الجمهوريّة، فهذا ممنوع، ومرفوض، ومستنكر، ويفترض شجبه ومواجهته!
أن يكون هناك تفاوض لا بدّ منه، فيجب أن يتولّى الأمر المكوّن المسلّح، القوي، الذي يواجه العدوان الإسرائيلي ويزفّ الشهداء، وليس الرئيس “المستسلم للمشيئة الأميركيّة”، على حدّ التوصيف المتداول.
أن يكون التفاوض هو الممرّ الإلزامي للوصول إلى تفاهم بين “الكبار المؤثّرين” حول أيّ لبنان، فإنّ هذا “اللبنان الجديد” يجب أن يحجز “كوتا” وازنة في نظامه للسلاح المقاوم، كي يكون مقبولًا ومرحّبًا به!
ومن هنا ينبثق القلق، والتساؤل حول مصير الطائف: هل يصمد؟ أم يُعدّل؟ أم يُستبدل؟ وما مصير الديمقراطيّة التوافقيّة، دستور لبنان غير المكتوب؟
أمّا الفصل الثالث، فيتّصل بوحدة “المسار والمصير” بين لبنان وسوريا.
لا يمكن للبنان أن يصل إلى خواتيم نهائيّة عبر المفاوضات قبل سوريا. قالها الأميركي توم برّاك صريحة قبل أيّام: “إنّ المسار السوري سيسبق المسار اللبناني، وإنّ سوريا ستبرم اتفاق سلام مع إسرائيل قبل لبنان”!
إنّ المسار السوري، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، حقّق اختراقات واسعة: ثلاث قمم عقدها، حتى الآن، مع الرئيس ترامب، وجولات من المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”، وواقع إسرائيلي ميداني متمدّد من الجولان إلى جبل الشيخ، وصولًا إلى تخوم دمشق!
أمّا المسار اللبناني، الذي ما زال يحبو، فيحاول أن ينطلق بتنسيق رفيع المستوى مع دمشق، وبرعاية سعوديّة واضحة، وبدعم عربي وفرنسي وأوروبي ودولي.
إنّ الصورتين اللتين أظهرتهما واشنطن عن المفاوضات، كانتا واضحتين: الأولى توسّطها وزير الخارجيّة، رئيس مجلس الأمن القومي، ماركو روبيو، والثانية توسّطها الرئيس ترامب. ووراء الصورتين حاجة ملحّة إلى ضمانات، وإلى صديق يدعم المفاوض اللبناني. فهل تكون سوريا في مهمّة جديدة؟ أم قوّة متعدّدة الجنسيّات تحت الفصل السابع؟!













