spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةعندما يكون المفاوض اللبناني جاهلاً بالعدوّ: الاحتلال لن يطول جنوباً

عندما يكون المفاوض اللبناني جاهلاً بالعدوّ: الاحتلال لن يطول جنوباً

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

لا يعرف أحد ما إذا كان سيمون كرم نفسه قد وجد من يساعده في التعرّف إلى من يفاوضهم في الجهة المقابلة. وهو جهد جرّبه لبنان سابقاً.

المشكلة مع أركان سلطة الوصاية في لبنان لا تقتصر على موقفهم المعادي للمقاومة، واستعدادهم لتلبية كل ما تطلبه سلطة الاحتلال الأميركي منهم، بل تتجاوز ذلك إلى مشكلة أكبر تتعلق بتولّيهم إدارة ملف الاحتلال الإسرائيلي، من دون امتلاك أيّ معرفة جدّية بما يجري داخل كيان العدو.

ويمكن الجزم، مع الأسف، بأنه لا يوجد في رئاستَي الجمهورية والحكومة أيّ ملف أو قسم يُعنى بمتابعة الشأن الإسرائيلي. أمّا ما يُقال إنه معطيات تُجمع من الأجهزة الأمنية أو من وزارة الخارجية، فلا يتعدّى في كثير من الأحيان كونه مراسلات لدبلوماسيين تستند إلى خلاصات لقاءات محدودة الأهمية، أو تقارير مصدرها الإعلام الغربي.

ولا يعرف أحد ما إذا كان سيمون كرم نفسه قد وجد من يساعده في التعرّف إلى من يفاوضهم في الجهة المقابلة. وهو جهد جرّبه لبنان سابقاً. ففي مفاوضات تفاهم نيسان عام 1996، لفت انتباه العدو أن مندوب لبنان، الدبلوماسي فريد عبود، كان يناقش الإسرائيليين في الاجتماعات استناداً إلى معطيات دقيقة مصدرها دولة الاحتلال نفسه. يومها، أتاح الجيش اللبناني قناة تسمح للمقاومة بنقل معلومات مبنية على رصد المصادر المفتوحة إلى الوفد المفاوض، للاستفادة منها خلال جلسات الناقورة الشهيرة.

التفاوض المباشر ليس خطوة ذكية أو ذا قيمة سياسية. والمشكلة هنا لا تتعلّق فقط بافتقاده إلى شرعية حقيقية في لبنان أو بكونه استجابة لإملاءات أميركية، بل بخللٍ أعمق، يتمثّل في أن الطرف الذاهب إلى التفاوض يفتقر إلى الحدّ الأدنى من المعرفة بالطرف المقابل، ولا يعرف شيئاً عن نتائج الحرب معه، ولا عن كيفية حصول الحرب، ولماذا حصلت ومن كان المسؤول عنها، ولا حتى عن موقف المفاوض في الجهة الأخرى: هل هو في موقع قوة أم ضعف؟

وهل يمكن ممارسة الضغط على الطاولة وحشره في الزاوية، وهل كان العدو يقول الحقيقة حول المواجهات، وهل يعرف أن إسرائيل كانت ترتكب الجرائم خلال الحرب أكثر مما كانت تقاتل المقاومة؟ والأهم، هل إسرائيل في موقع قوي يسمح لها بفرض شروطها، أم أنها في موقع ضعف يفرض عليها تقديم تنازلات، إذا أحسن المفاوض اللبناني إدارة الأمر؟

عندما فرض دونالد ترامب وقف إطلاق النار على إسرائيل، لم يقدم على ما يفوق قدرتها على التحمّل، بل قام بما يناسب جهات كثيرة داخل الكيان، في مقدّمها الجيش والمؤسسة الأمنية. وهو لم يتحرّك فقط تحت ضغط المواجهة مع إيران، بل استند أيضاً إلى تقديرات الجهات العسكرية والأمنية الأميركية بأن إسرائيل ليست في موقع مريح، وأن أداءها في مواجهة حزب الله يعاني إخفاقات واضحة.

وترامب نفسه، الذي أبدى إعجابه بعملية «البيجر» التي يقول إن لبلاده دوراً فيها، وبعمليات الاغتيال التي نفّذها العدو، سواء استناداً إلى معلومات الاستخبارات الأميركية أو تلك التي كانت عمليات إسرائيلية خالصة، كان يدرك جيداً بأن مجزرة الأربعاء الأسود التي نفّذها العدو بحق المدنيين اللبنانيين، لم تكن عملاً مهنياً، بل تعبيراً عن غضبه نتيجة فشل المواجهات. ولذلك، كان سهلاً على الرئيس الأميركي أن يبلغ شريكه في الحرب بنيامين نتنياهو بالتوقف عن الألاعيب!

اليوم، يتوسّع النقاش حول مستقبل الجبهة اللبنانية، سواء تمّ التوصل إلى اتفاق مع إيران أو لا، في ظلّ إدراك متزايد بأن إسرائيل تواجه تحدّيات غير مسبوقة، إذ ليس دقيقاً القول إن لديها القدرة على احتلال الشريط الحدودي لفترة طويلة، بل إن نمط انتشار قواتها منذ إعلان وقف إطلاق النار يعكس، بوضوح، استحالة نجاح خطة السيطرة الكاملة.

في المقابل، لا تزال المقاومة في مرحلة رصد واستطلاع، ولم تحسم بعد قرار الانتقال إلى مواجهة مفتوحة مع قوات العدو. وتدرك إسرائيل جيداً أن المقاومة قادرة على ملاحقة جنودها أينما كانوا، سواء في مواقع أو دوريات أو مخابئ أو حتى داخل منشآت عسكرية. ولا يخشى جيش العدو القنص أو العبوات أو المُسيّرات فحسب، بل الهجمات المباشرة التي تفتح الباب أمام سيناريوات الأسر، وهو هدف مُعلن منذ بداية معركة «العصف المأكول».

وفي حال قرّر العدو الردّ على العمليات بقصف في العمق اللبناني، كما كان يفعل قبل الثاني من آذار الماضي، فهذا يعني، وبوضوح، توقّع أنواع مختلفة من ردود المقاومة التي يستحيل أن تسكت بعد كل ما جرى.

وأي تصعيد من هذا النوع سيعني، عملياً، توسيع رقعة المواجهة، وسيقود حتماً، وليس مجرّد تقدير، إلى جعل مستوطنات العدو هدفاً، وهو أمر يعرفه الإسرائيليون جيداً، تماماً كما كانوا يعلمون بأن المستوطنين كانوا في طريقهم جميعاً إلى مغادرة الشمال لو استمرّت الحرب، والأهم أن العدو يعلم بأنه لا يخفى على المقاومة تفاصيل ما يجري في هذه المستوطنات، ونوعية النقاشات القائمة على مستوى الإدارة المدنية والعسكرية في جيش الاحتلال. وهذه نقطة حساسة لأن شعار «حماية سكان الشمال» كان على الدوام عنواناً لكل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.

حرب الاستنزاف التي أقحم العدو نفسه فيها الآن ستجعله أمام خيارات ضيقة. وهو إن قرّر إطالة أمد احتلاله، فسيكون مضطراً إلى إعادة النظر في حسابات كثيرة، من بينها الأكلاف المادية والبشرية لهذه الحرب، وهي أكلاف صارت أساس كل نقاش في الكيان بشأن الحرب، بعدما استنزف خلال نحو 900 يوم من الحرب الكثير من موارده المادية والبشرية، وهو أمر مُرشّح للتفاقم كلّما طال أمد المواجهة.

spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img