
| عبد الهادي محفوظ |
تبحث كل من واشنطن وطهران على السواء عن «اتفاق جيد» كل من حسابات مختلفة. فالرئيس ترامب على ما يقول أنه يريد الحؤول دون حصول طهران على قنبلة نووية والتي تجزم بدورها أن من حقها الطبيعي تخصيب اليورانيوم لأهداف مدنية بحكم «التحريم الديني» للسلاح النووي. وبهذا المعنى عدم الرغبة بالسلاح النووي تشكل قاسما مشتركا بين واشنطن وطهران وبالتالي تتيح للرئيس ترامب فرصة أن يعلن «أنا المنتصر في الحرب». كما للحرس الثوري بأنه أفشل الأهداف الأميركية والإسرائيلية الفعلية بتغيير النظام السياسي وتحريك «الداخل الإيراني» وفرض الاستسلام.
وحقيقة الأمر أن الحرس الثوري حوّل مضيق هرمز إلى «سلاح نووي» يتحكّم بالنفط والاقتصاد العالمي والأسواق المالية والبورصة الأميركية والتضخم المالي وأخرج الحرب عن السياق العسكري إلى البعد الإقليمي والدولي واستدرج دولا فاعلة مثل روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول المحور الإسلامي لتكون عنصرا ضاغطا على أميركيا والدفع نحو تنازلات متبادلة وقواسم مشتركة في عناصر التفاوض الشائكة وخصوصا في موضوع تخصيب اليورانيوم ومضيق هرمز.
يتعاطى الحرس الثوري الإيراني مع التلويح الأميركي بمعاودة الحرب بأعصاب باردة. فهو يعرف سلفا أن معاودة الحرب تفاقم من المأزق الأميركي في تحقيق الأهداف التي يسعى إليها كما تنعكس سلبا على البورصة الأميركية التي كادت تقترب في تراجعها إلى 20 نقطة كمؤشر تعتبره الدوائر المالية والاستخبارية الأميركية كإشارة خطر حقيقي في الأسواق المالية وفي الاقتصاد وفي مصادر المداخيل للعاملين وفي تعميم ظاهرة البطالة وفي تنامي المعارضة وفي إحراج التيار المتردد في الحزب الجمهوري وأيضا في الانعكاسات السلبية على الانتخابات النصفية في الكونغرس ونتائجها.
كما أن الحرب لم تنتج اتفاقا جيدا للرئيس ترامب وإنما تستدرجه إلى حيث تريد إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو الذي يدفع باتجاه «التصعيد الأميركي» عبر الضغوط التي يمارسها حلفاؤه في الإدارة الأميركية والبيت الأبيض واللوبي اليهودي وفي إطار الإنجيليين الجدد. كما أن نتنياهو يستفيد ضمنا من أي تصعيد إيراني غير محسوب يستدرج بدوره تصعيدا أميركيا. فهو أصلا ضد التفاوض ومصلحته الفعلية توتير العلاقة بين طهران وواشنطن وتوريط العاصمتين في مجابهات عسكرية وسياسية من المنظور الإسرائيلي لا من المنظور الأميركي. والأرجح أن واشنطن وطهران تدركان معا ما تريده إسرائيل فلا تنجرفان إلى حيث ما يريده نتنياهو. ذلك أن المفاوضات السابقة في إسلام أباد والتي ترأسها من الجانب الأميركي جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي ومن الجانب الإيراني محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى كانت قد أرست تفاهمات مشتركة قاربت السبعين بالمئة بحيث ضاقت نسبة الخلافات إلى مستوى يمكن حله بجولات أخرى ووساطة باكستانية تحظى بمساندة أميركية وإيرانية معا. فطهران عمليا لا تعترض على تخفيض منسوب اليورانيوم وإن كانت تعترض على «نظرية الصفر يورانيوم» كما أنها على ما يبدو تتجاوب مع الطرح الروسي بإيداع «الفائض» لدى موسكو المتحمسة للتوسط بين العاصمتين الأميركية والإيرانية باتصال مباشر من الرئيس فلاديمير بوتين بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأيا يكن الأمر الوصول إلى معالجة تخصيب اليورانيوم ينعكس إيجابا في موضوع الإفراج عن الأصول المالية الإيرانية ورفع العقوبات وتعويضات الحرب و»المخارج المعقولة» في لبنان بمقاربة أوسع تتناول ترتيبات المنطقة ومعها أزمة الشرق الأوسط.
وبمجرد أن تبحث روسيا والصين عن ترتيب العلاقات المستقبلية بين دول الخليج العربية وإيران فإن ذلك يعني أن العاصمتين موسكو وبكين على اقتناع بأن طهران وواشنطن تقتربان من «اتفاق إطار». وأن القيادة الإيرانية وارد في حساباتها علاقات شراكة اقتصادية ومالية مع الرئيس ترامب الذي استخدم أسلوب «البازار» في التفاوض وفي مثل هذه الحالة المقايضات مبررة ومطلوبة في أكثر من مجال ومكان في المستقبل.
ختاما خيار التفاوض يمثّل مساحة أوسع من مساحة الحرب ومفاعيله تقتضي وقتا وحوارا. وهذا ما انتهى إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إحدى تغريداته المتفائلة بأن «الحل مع إيران أكثر تعقيدا مما كان عليه الوضع مع فنزويلا». وهذه حقيقة تفسر تبادل الرسائل المشفرة في البحر بين الجانبين الأميركي والإيراني لفحص النوايا الحقيقية.













