
| عماد مرمل |
نجا رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من «كمين» الاتصال الهاتفي مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما واجه الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام مخاضاً عسيراً قبل ولادته، على يد أكثر من «قابلة قانونية» كما يبدو.
اللافت للانتباه هو «التنافس» الحاصل على تحديد صاحب الفضل في وقف إطلاق النار في لبنان، لعشرة أيام ستكون محفوفة بالتحدّيات.
تنافسٌ بين القوى السياسية اللبنانية وكذلك بين الأميركيين والإيرانيين، بحيث أصبحت حقيقة وقف النار على الجبهة اللبنانية «لغزاً» محيّراً وسط الخلاف على أبوته.
وهكذا، سارع البعض إلى اعتبار قرار وقف النار من إنجازات المسار التفاوضي المباشر والمنفصل الذي أطلقته السلطة اللبنانية مع تل أبيب، بمعزل عن المسار الإيراني ـ الأميركي، فيما جزم البعض الآخر بأنّ التهدئة على الجبهة اللبنانية إنما هي نتاج الموقف الإيراني الذي أصرّ على شمول لبنان بمفاعيل الهدنة التي تمّت بين طهران وواشنطن، سواء عشية مفاوضات إسلام أباد 1 او خلال التحضير لإسلام أباد 2.
وإذا كان الاتصال بين الرئيس عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد منح أصحاب الرواية الأولى ما يُثبت – في رأيهم- دور الدولة اللبنانية في الدفع نحو التهدئة، فإنّ الاتصال الذي جرى بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، أتى بدوره ليعزز الرواية الثانية، خصوصاً انّ بيان عين التينة أشار إلى انّه تمّ خلال الاتصال تأكيد أولوية وقف النار قبل أي أمر آخر.
والمفارقة، انّ الكيان الإسرائيلي يريد، وفق التسريبات، أن يتضمن وقف النار أمرين: تثبيت احتلاله للمنطقة العازلة وعدم الانسحاب منها، والاستمرار في امتلاك حرّية الحركة. وإذا صحّت هذه التسريبات، فإنّ العدو الإسرائيلي يفخخ مسبقاً الهدنة ويعيد استحضار تجربة مرحلة ما بعد ولادة اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، حين واظب على الإمعان في خرقه طوال 15 شهراً حتى أفرغه من كل محتواه وحوله مجرد حبر على ورق.
ثم إنّ «حزب الله» لن يقبل بصيغة من شأنها تكرار نموذج الـ 15 شهراً التي عانى خلالها من الاغتيالات والضربات، من دون أن يكون بمقدوره الردّ عليها، وهو خاض أصلاً المعركة الحالية لتصحيح الخلل الذي كان سائداً، وترميم التوازن المختل في آلية تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية.
من هنا، يبدو شكل وقف إطلاق النار غامضاً وهجيناً، كونه لا يستند إلى أسس واضحة ومتينة، والأكيد انّ «حزب الله» سيرفض تكريس أمر واقع جديد يتمثل في احتلال الجيش الإسرائيلي لكيلومترات عدة في المنطقة الحدودية في مقابل هدوء هش، وهو يعتبر انّ من حقه أن يستمر في المقاومة لتحريرها إذا لم يتمّ الانسحاب منها خلال فترة قصيرة، بعد التوصل الى وقف النار.
وبهذا المعنى، فإنّ وقف إطلاق النار في اللحظة الحالية لن يتعدّى حدود التقاط الأنفاس، وسيكون تفسيره قابلاً لأكثر من اجتهاد:
بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب، هو مسعى لتكريس عملية فك الارتباط بين الدولة اللبنانية من جهة وإيران و«حزب الله» من جهة أخرى، وإعطاء قوة دفع للمفاوضات المباشرة وفق الأجندة الإسرائيلية، وصولاً إلى محاولة تحصيل ثمن مرتفع من السلطة في مقابل التهدئة الموقتة على قاعدة اختبار ما ستفعله مع «حزب الله». وبالنسبة إلى الحزب، وقف النار هو ترجمة لصموده العسكري في الميدان، وإنجاز سياسي لإيران التي لم تقبل الاستفراد به وبلبنان. أما في ما خصّ السلطة اللبنانية، فسيكون اتفاق وقف النار من وجهة نظرها، تأكيداً لجدوى خيار الديبلوماسية الذي تعتمده، ومدخلاً لتحسين موقعها في التفاوض المباشر بدل أن تخوضه تحت النار.













