| غاصب المختار |
يوماً بعد آخر تتكشف حقيقة أهداف الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران ولبنان، بعيداً عن الادعاءات الإعلامية بـ”تحسين ظروف الشعبين الإيراني واللبناني، وتحقيق الديمقراطية والرفاهية، وسيادة الدولة على أراضيها”.
ما يهمنا في لبنان هو ما تسرّب على لسان أكثر من مصدر أميركي وإسرائيلي حول “إجراءات بوشِر بها” لإحداث تغيير ديموغرافي في جنوب لبنان، عبر تهجير السكان الشيعة، والحفاظ على السكان المسيحيين في قراهم ودعم بقائهم بكل الوسائل. وقد بدأ ذلك بغطاء دعم إغاثي محلي عام، ثم تحوّل إلى غطاء ديني برعاية كنسية لبنانية وفاتيكانية، عبر زيارة البطريرك بشارة الراعي قبل شهر إلى القرى المسيحية عند الحدود، وتلاها قبل يومين تحرك السفير البابوي في لبنان، مدعوماً بقافلة مساعدات إغاثية. ما يعني تحوّل الدعم من إغاثي ضيّق لفئة معينة من الجنوبيين إلى مشروع سياسي خطير، يؤثر على خريطة الشريط الحدودي الجنوبي وديموغرافيته، وعلى صيغة العيش الواحد فيه، وقد يترك ندوباً خطيرة مستقبلاً في الجسم الجنوبي.
لو تمّت هذه الخطوات في إطار عام لدعم بقاء وصمود كل سكان القرى الحدودية الجنوبية، لكانت خطوة سياسية رسمية وفاتيكانية وطنية وإنسانية بامتياز. لكن، مع الحديث عن مشروع أميركي ـ إسرائيلي، ومدعوم أوروبياً، لإقامة حزام أمني يحمي الكيان الإسرائيلي، مع سكان مسيحيين فقط، فهذا أمر خطير يفرز المجتمع اللبناني، والجنوبي بشكل خاص، بين مسيحي محمي من الاحتلال ومسلم مهجّر بقوة الاحتلال. ما يعني صبغ المسيحيين الجنوبيين بصبغة لا يريدونها ولا تليق بهم، وإثارة حساسيات مناطقية وطائفية لا يعلم أحد كيف تتطور، بخاصة أنه لم يلتفت أحد إلى القرى ذات الكثافة والأغلبية المسلمة من شيعة وسنّة ودروز، فهُجّر أهلها، علماً أن منطقة الشريط الحدودي لطالما تميّزت بالتعايش بين الطوائف، ومنها العديد من القرى المختلطة أو المتجاورة والمتلاصقة.
ولعل جوهر فكرة تهجير المسلمين من الجنوب، والشيعة خصوصاً، يتماهى مع مشروع تغيير وجه الشرق الأوسط الذي يسعى إليه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، والذي لو تمّ سيكون الوجه القبيح لمنطقة مقسّمة بين دول ومناطق وطوائف متناحرة، تخضع في كل الأحوال للقرار السياسي والأمني الإسرائيلي والأميركي.
أما إذا كانت هذه المعلومات عن تغيير ديموغرافي في الحد الأمامي الجنوبي غير دقيقة أو غير صحيحة بالمرة، فيجب أن تنبري حكومة نواف سلام إلى تعميم دعم صمود الجنوبيين، مسيحيين ومسلمين، للبقاء في قراهم، عبر صبّ كل المعونات الإغاثية واللوجستية والطبية الضرورية، ولو بالحد الأدنى، وإحباط المشروع التهجيري الخطير الذي لا يقل خطراً عن مشروع “دعم المسيحيين الجنوبيين” فقط، وإلّا فإن خطر مشروع تغيير وجه لبنان نحو مزيد من الاختلالات والانقسامات سيبقى قائماً، وسينتشر من الجنوب إلى مناطق أخرى، وهنا مكمن الكارثة الوطنية الكبرى.














