spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"نداء" أحمد قعبور.. والصدى!

“نداء” أحمد قعبور.. والصدى!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| خضر طالب |

 

عندما اجتاح العدو الإسرائيلي لبنان، وعاصمته بيروت، سنة 1982، لم يحتمل الشاعر اللبناني خليل حاوي الواقع الجديد، فقرّر أن يرحل طوعاً.. وانتحر…

كان ذلك الانتحار مؤشراً على تحوّل أكبر من قدرة خليل حاوي على تحمّله، وهو الذي لطالما كان يناضل من أجل تحرير فلسطين، فإذا به يكتشف أن بيروت تحت الإحتلال…

قبل سنة، أُصيب الفنان أحمد قعبور بالسرطان… كانت تلك الإصابة ربما إشارة إلى تحولات مقبلة لن يستطيع تحملها.. لكنه صبر.. وانتظر.. وراهن على عامل الوقت لعله يحمل صدى نداء أطلقه في سنة 1975، حين نادى المقاومين ضد الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وانحنى ليقبّل التراب تحت أقدامهم.

اكتشف أحمد قعبور تحوّلاً جديداً في لبنان، أصبح فيه المقاومون ضد الاحتلال “إرهابيون” بنظر السلطة اللبنانية التي أمسك بناصية قرارها من يرى في المقاومة “جريمة”، وفي الاستسلام للعدو “سلاماً”… فلم يحتمل، واستسلم للرحيل بعد أن انهارت مقاومته للسرطان الذي استقوى بسرطان استشرى في البلد.

كان أحمد قعبور يصرخ بالنداء.. وينبش فينا كل ذرة كرامة. فالكرامة لا يقتلها سرطان مهما بلغ من القوة والفجور والإجرام.

كان أحمد قعبور يضخ الحياة في أحلامنا الوطنية وقناعاتنا، حتى لو ضاق بنا النفس، وعندما تتراخى أقدامنا، يشدّ مفاصلنا كي لا نقع ولا ننكسر…

مَن يُنادي على الناس بعد أحمد قعبور؟

مَن يصرخ بحناجر المقهورين والمظلومين؟

مَن يشدّ على أيادي القابضين على زناد الكرامة؟

مَن يستنهض فينا العنفوان لنحرّر الوطن من الاحتلال الذي سبق فكره جيشه إلى مفاصل البلد؟

الكرامة لا تموت.. ونداء أحمد قعبور سيبقى يصدح، وقد بلغ اليوم عنان السماء.. والمقاومة تُردّد الصدى، وتقف في وجه الظلاّم، وتحمل دم أبطالها على أكفّها، ولا تنكّس أعلامها.

برحيل أحمد قعبور، يفقد لبنان واحداً من أبرز الأصوات التي شكّلت وجدان الأغنية الملتزمة، ورافقت تحوّلاته السياسية والاجتماعية على مدى عقود. وكان صوته مرآةً لمرحلة كاملة من تاريخ لبنان والمنطقة.

خرج أحمد قعبور من قلب الوجع اللبناني، من زمن الحرب الأهلية وما بعدها، ليصوغ فناً مختلفاً: بسيطاً في أدواته، عميقاً في أثره.

أحمد قعبور.. صوت الوعي.. والذاكرة!

لم يكن قعبور فناناً عابراً في المشهد الثقافي، بل كان جزءاً من مرحلة كاملة، ارتبطت فيها الأغنية بالفعل اليومي للناس، وبالسؤال الكبير عن الهوية والعدالة والكرامة.

لم يكن نجماً بالمعنى التجاري، لكنه كان، في الوعي الجمعي، صوتاً لا يُستبدل. وحين يرحل هذا الصوت، لا يرحل وحده، بل يأخذ معه جزءاً من ذاكرةٍ لا تُعوَّض.

منذ بداياته، اختار أن يقف خارج السوق الفنية التقليدية، مفضّلاً أن ينسج لنفسه مساراً خاصاً، يقوم على الكلمة الصادقة واللحن البسيط العميق.

لم يسعَ إلى النجومية، بل إلى التأثير، فكان تأثيره أعمق وأبقى. وظلّ وفيّاً لخطٍّ يرى في الفن أداة تعبير ومسؤولية، لا مجرّد وسيلة للترفيه.

لم يساوم على فنه، ولم يدخل في بازار الشهرة، فبقي خارج التصنيفات الضيقة، قريباً من الناس، بعيداً عن الضجيج.

ارتبط اسمه بالأغنية الملتزمة، تلك التي لا تبحث عن الترف ولا عن الانتشار السريع، بل عن معنى. حمل العود كما يحمل الشاهد شهادته، وغنّى للناس لا عنهم فقط.

اشتهر بأغنيات تحوّلت إلى ما يشبه الذاكرة الجماعية، وفي طليعتها “أناديكم”، التي تجاوزت كونها عملاً فنياً لتصبح نشيداً إنسانياً عابراً للحدود، يختصر غضب جيلٍ وحلمه في آنٍ معاً.

ولد أحمد قعبور في بيروت عام 1955، ونشأ في بيئة شعبية كان النقاش فيها يختصر الأزمات السياسية والاجتماعية، وفي زمن تصاعد الهموم الوطنية والقومية.

وحين بلغ 10 سنين، بدأت ملامح شغفه الفني تتبلور بوضوح منذ بلوغه العاشرة من عمره، فطلب من والده محمود الرشيدي، الذي كان أول عازف كمان في لبنان، أن يصطحبه إلى الحفلات، التي كان يعزف فيها خلف فريد الأطرش وشادية في العاصمة اللبنانية.

التقى لاحقاً مع إسم بارز في تاريخ الموسيقى في لبنان هو الفنان سليم فليفل.

لم تكن تلك المرحلة دروساً موسيقية فقط، وإنما أيضاً دروساً لمشروع فنان يكتشف لغة الآلات الموسيقية ويحوّلها إلى وسيلة تواصل مع الناس وهواجسهم وقضاياهم.

في منتصف السبعينيات، كان أحمد قعبور لم يتجاوز 19 عاماً، ترجم مكنوناته السياسية وتراكمات ما حمله من مشاهد وأفكار، من خلال قصيدة الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، فألقى كل “أحماله” الموسيقية في أغنية “أناديكم” التي شكّلت ثورة وتحوّلت نشيداً، ونداء يصدح إلى المقاومين ويشدّ أزرهم.

أطلقت “أناديكم” العنان للجمهور المحبط، فاستعاد بعضاً من الزخم الوطني والقومي، وانتشرت في لبنان والعالم العربي.

نشأ قعبور على تماس مباشر مع الشقاء الفلسطيني واللبناني والسوري، فقد كانت دار أهله ملاصقاً لمخيم صبرا.

لم يبق تعلق أحمد قعبور بفلسطين في إطار التعاطف، بل أصبح هوية وانتماء.

من أغاني أحمد قعبور أيضاً: “حب” (1982)، “خلينا مع بعض”، و”صوتن عالي” (2002)، و”بدي غني للناس” (2010)، و”لما تغيبي” (2019).

وشارك في فيلم “ندم” (1989)، و”ناجي العلي” (1992).

وفي التلفزيون، شارك في مسلسلات ثقافية وتاريخية، منها “البحث عن صلاح الدين”، و”أبو الطيب المتنبي”، وشارك في “النار بالنار” (2023).

كما أن له ألبوم “رمضانيات”، وكرس اهتمامه بالطفل بأكثر من 300 لحن، ضمن إنتاجات “مسرح الدمى اللبناني”، و”السنابل”.

مع انطلاقة تلفزيون “المستقبل”، أسهم في برامج موسيقية مثل “لعيونك”، و”بتمون”، و”روح شوف مستقبلك”، بالتعاون مع فرقة “الطرابيش”.

بعيدا عن الأضواء، حافظ أحمد قعبور على حياته العائلية المستقرة مع زوجته الفنانة التشكيلية إيمان بكداش، وابنيه سعد ومروان.

وفي العام 2025، اكتشف إصابته بالسرطان، لكنه لم يستسلم للموت الآتي، وحاول استثمار ما بقي له من وقت في الحياة حتى الرمق الأخير.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img