| جورج علم |
بعد الضيق فرج، ومضيق هرمز هو الذي يرسم ملامح الفرج.
إنه المحور لأي تسوية، والمخارج التي تُرسم خلف الجدران هدفها توفير أجوبة مقنعة حول من يتحكّم بالمضيق وحركة العبور: إيران، وبأي نسبة؟ الولايات المتحدة، ووفق أي معادلة؟ وماذا يُترك للصين، والهند، والاتحاد الأوروبي، ودول حلف “الناتو”؟
يؤكد بعض خبراء الاقتصاد أنها “حرب النفط، في منابع النفط، وحول ممرّات النفط”.
الاستيلاء على نفط فنزويلا شجّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبعض المحيطين به، على المغامرة. لكن إيران ليست فنزويلا، والنظام ليس فرداً، بل سلسال طويل من المجالس المتعاونة: من مجلس الخبراء، إلى مجلس صيانة الدستور، إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام، إلى المجلس الأعلى للثورة، إلى مكتب المرشد الأعلى، إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، إلى الحرس الثوري، إلى مجلس النواب، إلى رئاسة الجمهورية. هذا “المجمّع المؤسساتي” الفريد من نوعه، المتعاون على صياغة القرار وإدارة شؤون البلاد، هو الذي مكّن الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الصمود، رغم شراسة القصف وأطنان القنابل المدوّية!
لم يعد حديث “أمراء الحرب” يتمحور حول النووي والباليستي، بل حول أهم ممر مائي استراتيجي يرفد دول العالم بالطاقة، ويؤمّن لها الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي.
لم يعد الحديث محصوراً بمضيق هرمز، بل توسّع ليشمل جزر كرج، ولارك، وهنكام، وقشم… أي المواقع الاستراتيجية المشرفة على المنفذ البحري الوحيد الذي يربط الخليج العربي ببحار العالم.
والنفط “فيروس” معدٍ، يصيب جذبه العمارات الاقتصادية فيشلّها، ورائحته تزكم الأنوف، وبينها أنف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وقد هاله أن يلوّح الإسرائيلي بتمزيق اتفاق ترسيم الحدود البحرية، ليستأثر بنفط الناقورة ومخزون “البلوكات” التابعة.
إنه صاحب مبادرة، دون أدنى شك، ولا أحد ينكر الحيثية والخلفية التاريخية، وعمر العلاقة، والتناغم الثقافي الحاضر، لكن قبل كل هذا تبقى الأولوية للمصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية، ولحقول النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، ودور “توتال” في البحث والإشراف والتنقيب وتقدير الكميات والأحجام والمردودات الربحية.
وما من شك بأن الحراك الدبلوماسي الفرنسي، المتعاطف مع “القضية اللبنانية”، ينطلق من دفتر “مخرطش” بأفكار كثيرة، ونظريات ودراسات حول كيفية المساعدة لتمكين البلد من “النفاذ بريشه”، أو ما تبقى له من ريش!
إلا أن الإسرائيلي، الذي التقى مؤخراً وزير الخارجية جان نويل بارو، قدّم له أولوياته وناقش معه لائحة المطالب بنداً بنداً، وفي الطليعة بحر لبنان النفطي.
ويكاد النهم الإسرائيلي أن يوازي ـ أو يتفوق ـ على النهم الأميركي في المنطقة. وإذا كان الرئيس ترامب يسعى إلى التحكّم بمقدّرات نفط الخليج، من منابع وكميات وممرات وناقلات، انطلاقاً من إيران ومضيق هرمز، فإن الإسرائيلي لا يقل استعداداً في هذا الاتجاه. والدليل أن نتنياهو دعا إلى إنشاء خطوط لنقل النفط والغاز من الشرق الأوسط عبر شبه الجزيرة العربية، وصولاً إلى موانئ “إسرائيل”، تجنباً لتهديدات إيران.
ويرى أن هناك فرصة تاريخية لتحقيق ما يطمح إليه، انطلاقاً من “الفجوة” المستحدثة في العلاقات بين دول مجلس التعاون وإيران، والتي تتسع يوماً بعد يوم، وتتعمّق بعد كل جولة من الصواريخ الإيرانية التي تدكّ العمارات المدنية والاقتصادية الناهضة في تلك الدول.
ولم يأتِ هذا النهم الإسرائيلي من فراغ، بل إن إعلان نتنياهو عن مشروعه تزامن بعد يوم واحد على الهجوم الذي شنّه طيرانه الحربي على حقل الغاز الرئيسي في إيران.
وعبّرت وسائل إعلام أميركية عن وجود تباين، وأشارت إلى أن الهجوم الإسرائيلي على حقل “بارس” الإيراني قد فاجأ ترامب وإدارته، ولم يكن هناك توجه لاستهداف منابع الطاقة وإشعال “حروب النفط” في الخليج. في حين أن وسائل أخرى أكدت وجود تفاهم مسبق، وأن التنسيق بين إدارتي ترامب ونتنياهو قائم على قدم وساق، ويشمل كل الأهداف، الكبير منها والصغير.
ويبقى لرئيس الوزراء الإسرائيلي طموح مضاعف بتشغيل مشروع “خط الغاز الثالث”، لزيادة التصدير إلى مصر بموجب “صفقة” يبلغ حجمها 35 مليار دولار، حتى العام 2040.
كما يحاول تخطّي المستجدات التي طرأت، وأدت إلى توقف الإمدادات مؤقتاً بعد اندلاع الحرب في المنطقة اعتباراً من 28 شباط، مما أثّر على حقل “ليفياثان” الذي يغذّي مصر.
ويبقى لفرنسا، الحريصة على مصالحها، حرص مضاعف على “البوابة اللبنانية”. منها تطلّ على المشرق العربي، ولها دور في استكشاف الثروة الغازية والنفطية القابعة في المياه الإقليمية. وهذا ما يحفّز حكومة نتنياهو للعمل على إقصائها، ومنعها من الاضطلاع بأي دور يعزّز من حضورها، وخصوصاً على “البلوكات”. وسبق أن أبدت استياءً مزمناً من الوجود العسكري الفرنسي في الجنوب تحت علم الأمم المتحدة، كما ترفض أي وجود لأي قوة فرنسية – أوروبية يمكن أن تحل مكان “اليونيفيل” عندما تبدأ بالانسحاب اعتباراً من مطلع العام المقبل، وفق مضمون القرار الأممي 2790.
ولا يستسيغ الأميركي بدوره أي حضور فرنسي فاعل ومؤثر في “الحديقة اللبنانية”، ولا يستسيغ أيضاً أي دور لفرنسا في استكشاف حقول نفط لبنان وغازه. فهل يقبل – يا ترى – بهيمنة إسرائيلية؟
وفق قراءة واشنطن، فإن آموس هوكشتاين “الأميركي القح” هو الذي هندس الاتفاق البحري بين لبنان و”إسرائيل”، وأن “بلوكات” لبنان من نفط وغاز هي في عهدة “الرعاية” الأميركية حتى إشعار آخر!














