| رندلى جبور |
تشكّل المقاومة “الفاصلة” في لبنان، كما تشكّل إيران “الفاصلة “في هذا العالم.
المقاومة تقف بالفعل في وجه “الجملة” الأميركية لئلّا تنساب “الجملة” فيصدر كتاب حكم الكوكب.
المقاومة قدّمت الدم على مرّ العقود في مواجهة الأميركي، وعن مبدأ لا عن مصلحة، حتى بذل النقطة الأكبر.
من يقدّم الدم من رأسه حتى قدميه، لا يسلّم أو يستسلم بسهولة، بل لعلّه يصبح أشرس في المواجهة.
والحرب التي تكاد تكون عالمية جديدة، تهدف إلى إزالة هذه الفاصلة من درب السيطرة الترامبية ـ النتنياهية.
هذه “الفاصلة” تحوّلت معركة وجود للجميع: “يا قاتل يا مقتول”.
وإذا سقطت “الفاصلة” نكون أمام السيطرة المطلقة لـ”العم سام”، وفي النهاية فإن هذه المرحلة تكتب عقوداً آتية وبأي شكل ستكون.
وجود لبنان والمقاومة والطائفة الشيعية بالدقّ، تلك التي عاشت كربلاءين في سنتين، وقدراً كاملاً من الظلم والاضطهاد.
بل إن وجود كل الطوائف بالدقّ في وجودها ودورها وقيمها وإنسانها.
فإمّا يحافظ العالم على تنوّعه، وإمّا يصبح تحت لون واحد متحكّم بكل شيء.
هي معركة تفترض النفس الطويل، ومن يصمد ينتصر بغضّ النظر عن الخسارات البشرية والتدمير.
هي معركة بين خيار الحرية والسيادة للدول والبطولة، وبين الرهان على حكم القوي، والباقي يصبح أدوات وأذناباً.
والمقاومة، ولو كانت دينياً اليوم في الفلك الإيراني، إلا أنها تخوض معركة وجودها اللبناني ومعركة كل لبنان والمشرق.
لقد سقط من سقط، والقلّة الباقية مضطرة إلى خوض المواجهة نيابة عن جميع الغائبين.
ليس لديها ترف الخيار.
فهي تريد أن تفرض ذاتها إلى الطاولة لا مذبوحة على الطاولة.
تريد أن تكتب هي أيضاً مستقبلها، لا أن تكون طعاماً على مائدة الكبار.
المقاومة لا تطلق الصواريخ ثأراً للتاريخ وحسب، بل حفاظاً على الغد اللبناني إياه.
يقول قائل: ليس لدينا قدرة على الانتصار، فلماذا نصرف كل تلك الطاقة ولماذا نبذل الدم؟
السؤال مشروع، ولكن الجواب ببساطة هو: صحيح أن الإمكانات والقدرات غير متكافئة، ولكن المواجهة أهون من الاستسلام.
وإذا لم تخض حربك مهما كانت كلفتها، فإنك ستنتهي بلا ضربة كف.
ستنتهي بالسياسة والمال والاقتصاد والقيم والدور والوجود.
أما إذا خضت حربك فتبقى لديك فرصة ما.
“إسرائيل” تريد لبنان أصلاً… لا تحتاج إلى ذريعة.
كل شيء حضّرته سلفاً.
والخيار هنا ليس بين المواجهة أو السلام. جرّبنا أكثر من سنة بلا رصاصة واحدة، فاستشهد المئات وثبّتت “إسرائيل” نقاطها في الجنوب.
هي تريد لبنان “ضفة ثانية” لها، وهذا ما لا يجب أن يمرّ بشكل عادي.
تريد إعادتنا إلى زمن الاحتلال الكامل، أو أخذنا إلى “إسرائيل الكبرى”. وهذا يستحق استخدام كل قوة ممكنة مهما كانت متواضعة، لكي لا تأكلنا على “ريق بطنها”.
كفى مزاحاً واعتقاداً أن الولايات المتحدة هي الكتف التي يمكن أن نسند إليها. هي الخنجر، ليس في الظهر فقط، بل أيضاً في الصدر.
بدلاً من أن نطعن معهما، علينا على الأقل أن نصلّي لكل من لا يزال يملك العزيمة والإرادة والنخوة والقوة، ليترك عائلته ويحمل بدلاً من طفله صاروخاً، وليطلق بدلاً من صرخة مسيّرة، وليترك بيته ويذهب إلى أرضه للمواجهة من المسافة صفر، ولو كان يعرف أن الثمن هو حياته.
فالحياة وقفة حق وضمير وانتماء، وكل من لا يقفها سيجلس مقعداً على كراسٍ مستأجرة، وسيموت ذليلاً على فراش الخضوع والارتهان…














