| جورج علم |
بدأت اتصالات أوروبيّة – أميركيّة، بدفعٍ من الفاتيكان، حول كيفية إحاطة الوضع في لبنان.
أفكار كثيرة مطروحة قيد البحث لرسم مسار واضح، والتفاهم على خطة عمل.
من بين ما هو مطروح، عودة الاتحاد الأوروبي، بتشجيعٍ من فرنسا، إلى مجلس الأمن الدولي لطرح “القضيّة اللبنانيّة” بكل تعقيداتها، والعمل على:
- إمّا إعادة النظر بالقرار 2790 الذي صدر في نهاية آب الماضي، وأوصى بانسحاب “اليونيفيل” اعتباراً من نهاية هذا العام، وإبقائها وتحويلها إلى قوة ضاربة تحت الفصل السابع تتولى حماية السيادة الوطنيّة ، بالتنسيق مع الجيش اللبناني.
- إمّا تشكيل قوة أوروبيّة، تمثّل فرنسا عصبها الحيوي، وتحظى بمشروعيّة أمميّة محددة.
وينطلق التشاور الناشط من دوافع يطلق عليها الاتحاد الأوروبي “الظروف القاهرة”، ويفنّدها وفق الآتي:
لا يمكن لـ”إسرائيل” أن “تكفّ شرّها” عن لبنان إلا بعد التوصل إلى سلّة من التفاهمات الأمنيّة – الاقتصاديّة. وما تحاوله من خلال اعتداءاتها هو تحسين دفتر شروطها عن طريق فرض أمر واقع على الحكومة اللبنانيّة وعلى الأرض، من اجتياح، أو احتلال، أو أرضٍ محروقة لا يعود إليها بشر، ولا يبقى فيها حجر فوق حجر.
ولا يمكن – من المنظار الأوروبي – تحميل الجيش اللبناني ما يفوق قدراته على تنفيذ مهمات معقّدة، وهو الذي يفتقر إلى السلاح والذخيرة، خصوصاً أن مؤتمر الدعم الذي كان يعوَّل عليه قد أصبح في عهدة المستقبل، وتتحكّم بتحديد موعد انعقاده عوامل كثيرة يجب تتبّع مستجداتها.
ولا يمكن القول إن الكيان معافى ولبنان بخير. ذلك أن المنخرطين في إدارة الحوار بين ضفتي الأطلسي ينطلقون من حسابات توحي بالإفلاس.
في قاموسهم، ووفق منطقهم، أن اللبنانيين السياديين تخلّوا عن الجنوب بموجب اتفاق القاهرة عام 1969، وأهدوا منظمة “التحرير الفلسطينيّة” بقيادة ياسر عرفات منطقة “العرقوب” و”فتح لاند”.
وتخلّوا عن التزاماتهم الماليّة الدوليّة عندما تخلّفوا في آذار 2020 عن سداد ديون اليوروبوندز.
وتخلّوا عن الاحتفال بذكرى الاستقلال في 22 تشرين الثاني الماضي لِـ”ظروف قاهرة”، فيما كان بعضهم يحتفل بـ”صحن الشوربا” في منطقة الجميزة!
وتخلّوا عن “حصر السلاح” بالقوة، ووفق منطق الدولة المسلّح برهبة السلطة وسيادة القانون، خوفاً من شبح حرب أهليّة، فكان ما كان، من دون معرفة نتائج ما سيكون.
وها هم يتخلّون عن الانتخابات النيابيّة بحجة “الظروف القاهرة”. لكن هذه الظروف – وفق المنطق الأوروبي – ليست مرتبطة فقط بالحرب التغييريّة في المنطقة، التي تشنّها كلّ من الولايات المتحدة و”إسرائيل”، بل إن الدافع الحقيقي للتأجيل هو “فيتو” خارجي عنوانه: “ممنوع إجراء انتخابات نيابيّة تعيد التوازنات السياسيّة المسيطرة على المجلس الحالي، وتكرّس منطق الدولة و’الدويلة’ في المجلس الجديد المنتخب”!
وليس من ملامة جديّة للدولة، ورموزها، ومؤسساتها، صادرة عن “طرفي الحوار”، لأن الأميركيين والأوروبيين متفقون على أن السلطة الناشئة في لبنان طريّة العود، ولا تتجاوز مهمتها حدود “تصريف الأعمال”، لأنها لم تمتلك بعد قرار الحرب والسلم، ولا تملك ما يكفي من قوّة، وحصانة، ونفوذ، وإمكانات، تخوّلها أن تكون دولة بكامل المواصفات. والدليل أنها الفريق الأضعف بين المتحاربين الذين حوّلوا لبنان إلى ساحة لتسديد الحسابات الإقليميّة – الدوليّة، خصوصاً بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة من جهة أخرى.
ولأن الحرب الناشبة “تغييريّة”، وهدفها المعلن “تحقيق شرق أوسط جديد”، إلا أن أهدافها المضمرة توسعيّة، احتوائيّة، استغلاليّة للطاقات والثروات والإمكانات، وهذه أهداف لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق نشر الفوضى في المنطقة، وليس عن طريق قيام أنظمة مقتدرة متمكنة من حماية سيادات دولها والذود عن مصالحها.
ويخشى الفاتيكان من أن يضرب إعصار الفوضى لبنان، فتتلاشى القدرات ويتفتت الكيان.
وتتفق معه فرنسا والعديد من دول الاتحاد الأوروبي، لذلك نشطت الاتصالات مع الولايات المتحدة الأميركيّة لبلورة مسعى هادف يصدّ جموح المطامع المندفعة، ويحدّ من مطامح السياسات التوسعيّة.
لا يريد الفاتيكان أن يكون الكيان اللبناني ضعيفاً، هشّاً، قابلاً للتفتيت والشرذمة. ولا يريد لتركيبته الاجتماعيّة الفريدة أن تذهب بها رياح المتغيّرات، أو تبعثر مكوناتها نزوات قوميّة متطرّفة.
لا يريد لهذه “الواحة المسيحيّة الضيقة” في هذا الشرق أن تجدب وتفقد خصوصيتها، ويفقد معها “وطن الرسالة” وهجه. لذلك حرّك دبلوماسيته، وتحرك باتجاه الدول المؤثرة لإقفال أبواب النزوات وفتح أبواب المعالجات.
فهل ينجح؟
حجّة فرنسا أن لبنان الوطن لا يمكن أن يستمر ساحة مفتوحة لتسديد اللكمات وتصفية الحسابات. ولا بد من توفير “المقويات” الضرورية لتحويل الساحة إلى وطن.
فهل تهبّ رياح دوليّة مؤاتية للشراع اللبناني؟
هناك محاولة… لعلّ وعسى.













