| خاص “الجريدة” |
يصعب فصل مسار الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن شخصية المرشد الأعلى السيد علي خامنئي في تاريخ إيران الحديث. على مدى 37 سنة، يقف الرجل في قلب معادلة تجمع الدين بالسياسة، والعقيدة بالاستراتيجية، والثورة بإدارة الدولة.
تشكلت شخصية خامنئي، من نشأته في أحياء مشهد المتواضعة إلى توليه منصب المرشد الأعلى عام 1989، عبر طبقات متعددة من التأثيرات الفكرية والسياسية، داخل إيران وخارجها، ليصبح أحد أكثر القادة تأثيرًا وإثارة للجدل في الشرق الأوسط المعاصر.
النشأة وبدايات الوعي السياسي
وُلد علي جواد حسيني خامنئي عام 1939 في مدينة مشهد، في أسرة دينية متواضعة الحال. والده كان رجل دين تقليدي، ما جعل البيئة المنزلية مشبعة بالتعليم الشرعي والانضباط الديني. التحق مبكرًا بالحوزة العلمية في مشهد، ثم انتقل إلى قم، المركز الأبرز للفقه الشيعي في إيران.
غير أن تكوينه لم يكن فقهيًا بحتًا. فقد تزامنت سنوات شبابه مع أحداث إقليمية تركت أثرًا عميقًا في وعيه السياسي، أبرزها تجربة محمد مصدّق في مواجهة النفوذ الغربي في إيران مطلع الخمسينيات، والتي عززت لديه فكرة السيادة والاستقلال الوطني، إضافة إلى صعود جمال عبد الناصر كرمز عربي لمناهضة الاستعمار، وقد كان تأثير جمال عبد الناصر كامِنًا في وعي خامنئي السياسي. هذا المناخ العام غذّى لديه حسًا سياسيًا مبكرًا يتجاوز الإطار الديني التقليدي.
التأثر بسيد قطب: تلاقح مذهبي في الخطاب الثوري
في ستينيات القرن الماضي، ومع اشتداد القبضة الأمنية لنظام الشاه، بدأ خامنئي يطالع أدبيات الحركات الإسلامية خارج الإطار الشيعي. هنا برز اسم سيد قطب، المفكر المصري البارز وأحد أبرز منظري “جماعة الإخوان المسلمين” بعد مؤسسها حسن البنا.
قام خامنئي بترجمة عدد من كتب قطب إلى الفارسية، منها “المستقبل لهذا الدين” وأجزاء من “في ظلال القرآن” و”الإسلام ومشكلات الحضارة”. هذا الانخراط لم يكن مجرد نشاط ثقافي، بل يعكس اهتمامًا عميقًا بالأطروحات التي قدّمها قطب حول “الجاهلية الحديثة” وصراع الحضارة الإسلامية مع الهيمنة الغربية.
لكن هذا التأثر كان انتقائيًا. فخامنئي لم يتبنَّ المنهج “الإخواني” كحركة تنظيمية سنية، ولم يتخلّ عن مرجعيته الفقهية الشيعية. بل أعاد توظيف بعض أدوات التحليل “القطبي” داخل مشروع شيعي ثوري يقوم على نظرية “ولاية الفقيه”. يمكن القول إن التأثر كان في البعد الثوري والسيادي أكثر منه في البنية الفقهية أو التنظيمية.
هذا التداخل بين الفكر الشيعي التقليدي والخطاب الإسلامي الثوري العابر للمذاهب، ساهم في بلورة رؤية ترى الإسلام مشروعًا سياسيًا شاملًا، لا يقتصر على الدعوة الفردية بل يمتد إلى الدولة والمجتمع والعلاقات الدولية.
العلاقة مع الخميني
في قم، تعرّف خامنئي على الإمام الخميني، الذي أصبح المرجع السياسي والديني الأهم في حياته. انخرط في النشاط المعارض لنظام الشاه، وتعرّض للاعتقال عدة مرات.
بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، دخل دائرة السلطة الجديدة سريعًا. تولى مناصب متعددة، قبل أن يُنتخب رئيسًا للجمهورية عام 1981 في ظل ظروف معقدة، أبرزها الحرب العراقية الإيرانية ومحاولات الاغتيال التي طالت قادة الثورة. خلال تلك الفترة، تعرض لمحاولة اغتيال أدت إلى إصابته إصابة دائمة في يده اليمنى.
الطريق إلى منصب المرشد
قبل وفاة الخميني بثلاثة أشهر، عُزل نائبه حسين علي منتظري من موقعه كوريث مفترض للقيادة، على خلفية خلافات سياسية واتهامات بقربه من تيارات وُصفت بالليبرالية أو المنتقدة لبعض سياسات النظام. هذا القرار فتح الباب أمام مرحلة انتقالية حساسة.
عقب وفاة الخميني عام 1989، اجتمع مجلس خبراء القيادة لاختيار مرشد جديد. في تلك اللحظة، لعب هاشمي رفسنجاني دورًا محوريًا في دعم ترشيح خامنئي، مستندًا إلى اعتبارات سياسية تتعلق بضرورة الحفاظ على تماسك النظام واستمرارية خطه الثوري. لم يكن خامنئي آنذاك يُعدّ المرجع الأعلى علميًا بين كبار الفقهاء، ما استدعى تعديلًا دستوريًا خفف شرط المرجعية العليا لتولي المنصب.
جاء انتخابه نتيجة مزيج من التوازنات السياسية والاعتبارات الثورية، أكثر منه تعبيرًا عن تفوق فقهي صرف. ومنذ ذلك الحين، بدأ مسار مختلف لمنصب المرشد الأعلى، من حيث توسيع نطاق الصلاحيات العملية وترسيخ مركزية السلطة.
إدارة الدولة: بين المركزية وبناء النفوذ
على مدى أكثر من ثلاثة عقود ونيف، أعاد خامنئي صياغة موقع المرشد الأعلى داخل بنية الدولة. فقد عزز نفوذ مكتب المرشد، ووسّع دور “الحرس الثوري” في الحياة السياسية والاقتصادية، وأبقى على دور حاسم لمؤسسات مثل “مجلس صيانة الدستور” في ضبط المجال السياسي.
في السياسة الخارجية، تبنى نهجًا قائمًا على مواجهة النفوذ الأميركي، وتوسيع حضور إيران الإقليمي عبر شبكة من التحالفات والدعم السياسي والعسكري لقوى في لبنان وسوريا والعراق واليمن. هذا التوجه اعتبره مؤيدوه دفاعًا عن العمق الاستراتيجي لإيران، بينما رآه منتقدوه سببًا في تعميق العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية.
داخليًا، شهدت إيران في عهده موجات احتجاج متعددة، أبرزها عام 2009 ثم في السنوات الأخيرة. تعامل النظام مع هذه الاحتجاجات بمزيج من الضبط الأمني والإدارة السياسية، ما أثار انتقادات حقوقية، مقابل تأكيد رسمي على أولوية الاستقرار وحماية النظام.
الإرث المفتوح
يصعب تقديم تقييم أحادي لشخصية السيد علي خامنئي. فبالنسبة لمؤيديه، هو قائد حافظ على استقلال إيران، ومنع انهيار النظام في لحظات حرجة، ووسّع نفوذ البلاد الإقليمي. أما منتقدوه فيرون أنه رسّخ مركزية السلطة وضيّق هامش التعددية السياسية، وأشرف على نظام يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
ما يبدو ثابتًا أن خامنئي مثّل نموذج “رجل الدولة العقائدية”: فقيهٌ انخرط في العمل السياسي الثوري، تأثر بأفكار عابرة للمذاهب مثل فكر سيد قطب، لكنه أعاد صياغتها داخل بنية شيعية قائمة على “ولاية الفقيه”، ليقود نظامًا يجمع بين الثورة والمؤسسات.
وبين هذه التوصيفات المتباينة، يبقى اسمه جزءًا أساسيًا من سردية إيران الحديثة، وشخصية لا يمكن فهم تحولات المنطقة من دون التوقف عند مسارها الطويل والمعقد.
السؤال القلق: المرحلة التالية؟
إذا كان السيد علي خامنئي قد مثّل مرحلة تثبيت الثورة وتحويلها إلى دولة ذات مؤسسات راسخة، فإن التحدي الذي يلوح في الأفق يتجاوز شخصه إلى بنية النظام نفسها. فالرجل الذي أعاد تعريف موقع المرشد الأعلى، ووسّع صلاحياته عمليًا، وربط بين العقيدة والأمن والسياسة الخارجية، ترك خلفه نظامًا شديد المركزية، يقوم على توازنات دقيقة بين المؤسسة الدينية، و”الحرس الثوري”، والتيارات السياسية المختلفة داخل الجمهورية الإسلامية.
لكن مع مرور أكثر من ثلاثة عقود ونيف على توليه المنصب، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل صُمم هذا النظام ليستمر بالشكل نفسه بعده، أم أن شخصيته كانت عنصرًا حاسمًا في ضبط تناقضاته؟
يبدو هنا أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد انتقال إداري داخل مجلس خبراء القيادة، بل اختبارًا لقدرة الجمهورية الإسلامية على إعادة إنتاج توازنها الداخلي. فالتحديات الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية داخل إيران، والتغيرات الإقليمية والدولية، تجعل من “ما بعد خامنئي” لحظة مفصلية، لا على مستوى القيادة فحسب، بل على مستوى تعريف المشروع نفسه: هل يبقى كما صيغ في العقود الماضية، أم يدخل طورًا جديدًا من التكيف أو التحول؟
بهذا المعنى، لا يُختصر إرث خامنئي في سياساته فحسب، بل في السؤال الذي يتركه مفتوحًا: هل نجح في بناء نظامٍ قادر على الاستمرار من دونه، أم أن المرحلة المقبلة ستكشف حدود النموذج الذي أسسه وأداره؟













