| محمد وهبة |
في 16 شباط الجاري، أقرّ مجلس الوزراء تعديل رسم الاستهلاك الداخلي على مادة البنزين ليصبح 16 ألف ليرة على كل ليتر (320 ألف ليرة على كل صفيحة من عيار 95 أوكتان)، ووافق على مشروع قانون يرمي إلى تعديل ضريبة القيمة المضافة وزيادتها لتصبح 12% بدلاً من 11% بالإضافة إلى فرض رسم مقطوع على كل كونتينر من قياس 20 قدماً بقيمة 50 دولاراً وبقيمة 80 دولاراً على المستوعب من قياس 40 قدماً وما فوق.
واتّخذ المجلس ذريعة لهذا القرار بأن منح العاملين في القطاع العام (في الخدمة والمتقاعدين) 4 رواتب أساس إضافية ليصبح عدد ما يتقاضونه 26 راتباً، كلفته الإجمالية مُقدّرة بـ618 مليون دولار مضافاً إليها 162 مليون دولار لزيادة التعويضات العائلية ومنح التعليم. وحين عُرض الأمر على التصويت في مجلس الوزراء، سجّل اعتراضهم وزراء أمل باستثناء وزير المال ياسين جابر، ووزراء حزب الله والقوات اللبنانية والكتائب.
في اليوم التالي، صدر جدول تركيب أسعار المحروقات موقّعاً من وزير الطاقة القواتي جو الصدّي، متضمّناً زيادة على سعر الصفيحة بقيمة 361 ألف ليرة. وبالتزامن، أثار القرار بلبلة في الشارع وسجّل قطع طرقات وتحرّكات عشوائية تقدّمها سائقو السيارات العمومية الذين عمد بعضهم إلى رفع تعرفة النقل بشكل عشوائي. لاحقاً، جرى احتواء هذه التحرّكات في الأطر العمالية والنقابية، إذ تداعت النقابات إلى إضراب يُنفّذ الخميس (اليوم)، وكانت هناك اتصالات ترغب في مشاركة روابط الأساتذة والعسكريين المتقاعدين إلى جانب الاتحاد العمالي العام والإدارة العامة.
لكن سرعان ما انفرط عقد كل هذه التحرّكات بعد لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير المال ياسين جابر ورئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر ورئيس اتحادات النقل البري بسام طليس. وزير المال صرّح بعد الاجتماع، أنه تمّ التوافق على «ضرورة عدم السماح بانعكاس أي زيادة في أسعار المحروقات على تعرفة النقل العام» وتمّ التأكيد على «تثبيت التعرفة المُتّفق عليها مع وزارة النقل»، كما اتُّفق على «مراجعة موضوع الضريبة على القيمة المضافة بشكل عام. الحكومة لن تتمسك بنسبة الـ1% كما وردت في مشروع القانون الصادر عن مجلس الوزراء، إلى حين استكمال الدراسة بشكل أعمق».
كالعادة تمخّضت النقابات فولدت فأراً. ممثلو النقابات يدركون أنهم مجرّد كومبارس يؤدّون أدواراً مرسومة وأهدافاً محدّدة. فالاتحاد العمالي العام الذي يرأسه بشارة الأسمر، لطالما كان أداة بيد حركة أمل ورئيسها، والاتحاد العام لنقابات العمال برئاسة مارون الخولي هو بيدق يستعمله حزب الكتائب، لذا لا يُسأل هؤلاء عن أهمية التحرّك وأهدافه لأنهم لا يعلمون. فهل كان ضمن الأهداف، مثلاً، الضغط على الحكومة في الشارع؟ هل جاء التحرّك في توقيت سياسي؟ أم أنه مجرّد عرض مسرحي لتنفيس السخط الشعبي وإجباره على القبول بزيادة رسم البنزين؟ أم أنه يشمل ما هو أكثر؟
لا شكّ في أن ما قاله جابر بأن «الحكومة ستُعِدّ مشروع إصلاح ضريبي كاملاً، وفور الانتهاء من إعداده سيُرسل إلى المجلس النيابي لدراسته» هو مفتاح «التنفيسة». فالحكومة ستناقش اليوم أول بند على جدول أعمالها وهو: «استكمال البحث في تفعيل تحصيل الإيرادات المتوجّبة وفقاً لمداولات جلستَي مجلس الوزراء تاريخ 13/1/2025 و16/2/2026، ولا سيما تلك الناتجة عن مكافحة التهرّب الجمركي والضريبي، إشغال الأملاك العامة البحرية والنهرية ومتابعة تنفيذ أوامر التحصيل المتعلّقة بالمقالع والكسارات، وكذلك البحث في عملية التدقيق الجنائي في عدد من الوزارات والإدارات».
اللافت أن هذا البند المطروح، كما في المداولات المذكورة للجلستين السابقتين لمجلس الوزراء، هو بند فارغ بكل معنى الكلمة، إذ لم يُرسل إلى مجلس الوزراء أي ملفّ لدرسه على طاولة اليوم، وهو أمر حصل في الجلسات السابقة. سلوك كهذا يعيد النقاش إلى أصله الفعلي وبرنامج «الإصلاحات». هل هو برنامج قائم على أجندة محلية؟ وزارة المال تنفّذ هذا البرنامج بمساعدة علنية من خبراء أرسلتهم وزارة الخزينة الفرنسية. والوزارة هي التي أعدّت مشروعاً لتعديل قانون معالجة أوضاع المصارف بناءً على ملاحظات صندوق النقد الدولي، وهي نفسها التي أبلغت لجنة المال والموازنة أول من أمس أن لدى صندوق النقد المزيد من الملاحظات على ملاحظاته السابقة!
«الأفكار» الفرنسية تُستوحى من طلبات أميركية ثم تُنفّذ عبر وزارة المال والحكومة اللبنانية. لنأخذ مثلاً مشروع السكانر في مرفأ بيروت الذي تحوّل من إيحاءات أميركية إلى عقد BOT تنفّذه شركة خاصة فرنسية – لبنانية. ولنأخذ مثلاً آخر يتعلّق بصندوق النقد الدولي الذي أبلغ لبنان في العديد من المناسبات قبل الانهيار بأنه يجب زيادة ضريبة القيمة المضافة، ولم يفلح في ذلك إلا في عام 2017 بعد معركة أدّت إلى فرض ضرائب نوعية، وإن لم تكن كافية، على تجارة العقارات والريوع المصرفية.
من الواضح أن وزارة المال في لبنان ليست لديها أجندة محلية لـ«الإصلاحات». فها هو وزير المال المحسوب على الرئيس نبيه برّي يقترح زيادة ضريبة القيمة المضافة بمعدّل 1%. فهل هذه أجندة محلية؟ في الواقع، ينقل ذوو الحضور الدائم في عين التينة، أن الرئيس نبيه برّي تبلّغ من وزير المال ياسين جابر بأن المطروح هو زيادة رسم البنزين فقط، واستاء جداً لأنه لم يتبلّغ من جابر بطرح خيار آخر يتعلق بزيادة ضريبة القيمة المضافة 1%.
تعارض الأجندة المحلية مع الخارجية، أمر يحصل. والخروج من هذا التعارض، تمثّل في الإقرار بعد اجتماع لوزير المال وممثّلي النقابات مع سلام، بأنّ الحكومة لن تتمسك بمشروعها لزيادة ضريبة القيمة المضافة، وبأنها «في صدد مشروع إصلاح ضريبي كامل» كما صرّح جابر. هنا يصبح البحث عن وجود أجندة إصلاح محلية ضرباً من الخيال؛ فلو أرسلت الحكومة ملفاً إلى مجلس الوزراء بشأن استكمال مسألة تفعيل تحصيل الإيرادات من خلال مشروع إصلاح ضريبي، لكان الأمر يستحقّ الأمل بأن هناك رؤية ما للإصلاح الضريبي، لكنّ الواقع «الإصلاح» الذي يشهده لبنان يبدو مستورداً بالكامل وسط عجز القوى السياسية عن أي تحرّك سوى لترتيب البيت الداخلي ضمن أدوار مرسومة مُسبقاً.
هكذا، ستنسى الروابط النقابية والاتحادات العمالية وسائر القوى السياسية المجزرة التي ارتكبتها الحكومة بزيادة رسم البنزين، وستتذكّر الـ«مراجعة» التي أقيمت في السراي الحكومي أمس بشأن مشروع قانون زيادة ضريبة القيمة المضافة. أمّا رسم البنزين، فهو أُخضع أيضاً لمراجعة قانونية في مجلسين مُعيّنين من الزعماء السياسيين، وهم أنفسهم الذين ستكون لهم كلمة الفصل في إبطال قرار الحكومة أو في ردّ المراجعتين.













