
| جوزف القصيفي |
لم يكن مستغرباً ما كتبه السيناتور ليندسي غراهام الجمهوري المتطّرف، الذي سبق أن طالب بـ»تسوية غزة بالأرض»، عن لقائه بقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في واشنطن. كان السيناتور غراهام ينتظر أن يجيبه عن سؤاله عمّا إذا كان يرى «حزب الله» إرهابياً بـ»نعم»، لكن ظنّه خاب، عندما كان الجواب معاكساً لما يحب سماعه. فكان ما كان من أمر هذه الكتابة التي «نغّصت» على زيارة قائد الجيش لواشنطن منذ يومين، وهي الزيارة التي كانت مقرّرة أصلاً في 18 تشرين الثاني الماضي وأُلغيت بسبب العاصفة التي أثارها غراهام، القريب جداً من الرئيس دونالد ترامب ومجموعة من صقور الإدارة الأميركية المتماهين مع «اللوبي الصهيوني»، الذين تتساوى لديهم مصلحة تل أبيب مع مصلحة واشنطن، وأنّ ما يُضير إحداهما يُضير ألاخرى.
كان غراهام في زيارته للبنان في 24 و25 آب الماضي حمل رسالة تهديد إليه، معرباً عن عدم اقتناعه بخطة الجيش، محرّضاً على التعامل بالعنف مع «حزب الله» والإذعان لشروط إسرائيل. فهو رئيس لجنة الموازنة في الكونغرس ومن الشخصيات الأكثر التصاقاً بترامب، وتأثيراً. وفي المعلومات، أنّ تصرّفه مع العماد هيكل لم يكن لائقاً على الإطلاق، وكان مختصراً، عدا النبرة الإنفعالية التي تحدث بها، وكان تصرفه بعيداً من الأصول البروتوكولية. واللافت أنّ موقفه طبّل وزمّر له بعض اللبنانيين في واشنطن ممن يحوطون به، للإيحاء بأنّ الزيارة فاشلة، وأنّ هناك عدم رضى أميركياً على أداء الجيش. لكن زيارة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى للقصر الجمهوري واجتماعه بالرئيس جوزاف عون وترحيبه بزيارة العماد هيكل إلى واشنطن، كانت لافتة، لتزامنها مع ما أعلنه غراهام. كذلك، فإنّ وقائع الزيارة التي تحدث عنها بيان قيادة الجيش، كذّبت ما راج من معلومات و» فبركات» وتحليلات على لسان «متطوعين»، عن فشلها.
والمعلومات الواردة من واشنطن تؤكّد أنّ محادثات هيكل في كل من وزارتي الخارجية والدفاع كانت إيجابية، وكذلك محادثاته مع مستشارين في مجلس الأمن القومي وأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الذين رحّبوا بالزيارة، وأشادوا بالعمل الذي قام به الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني، وقيّموا إيجاباً أداءه، معتبرين انّه المؤسسة الوحيدة الضامنة للاستقرار والأمن في لبنان. وكان وفد من قيادة الجيش قد غادر لبنان إلى الولايات المتحدة، قبل يومين من زيارة العماد هيكل، للاجتماع بالقيادة المركزية الأميركية في (CENTCOM – TAMPA) في ولاية فلوريدا، وتركّزت محادثاته مع القادة العسكريين الأميركيين الكبار، على برنامج المساعدات الذي حمله الوفد، والمتضمن دراسة تفصيلية عن حاجات المؤسسة العسكرية اللبنانية لتمكنيها من القيام بالمهمات المطلوبة منها. وكذلك الاستعدادات الجارية لمؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرّر عقده في باريس مطلع آذار المقبل، والدور المنتظر من واشنطن في هذا المجال.
وفي انتظار أن تعيّن الحكومة موعداً لاجتماع تعرض فيه لخطة الجيش، فإنّ الاتصالات الدولية والإقليمية والعربية لإنجاح مؤتمر باريس تتكثف. وفي هذا السياق، تدخل زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان ـ نويل بارو لبيروت للقاء المسؤولين الكبار، وإطلاعهم على الخطوات التي تضطلع بها بلاده لعقد المؤتمر في مكانه وزمانه وضمان نجاحه. وكذلك الاتصالات السعودية والقطرية التي لم تتوقف، لكي يشكّل مؤتمر باريس فرصة لحمل المجتمع الدولي والعربي على بذل الجهد من أجل مساعدة لبنان على التعافي، على أن تكون نقطة البداية دعم الجيش وتوفير كل الإمكانات التي تسمح له بسط سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية، وفرض الاستقرار والأمن.
إنّ زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن، بحسب المصادر الرسمية، كانت إيجابية وأدّت غرضها، وهي مفتوحة على مبادرات ومزيد من التعاون. على أنّ موقف غراهام، على رغم من تأثيره الكبير، وتأثره الشديد بالسردية الاسرائيلية، ومحاولات البعض التقليل من أهمية الزيارة، لن يؤدي إلى تغيير الموقف الأميركي الرسمي، لأنّ الإنطباعات والتقارير تشير إلى ارتياح لعمل الجيش، ولو أنّ واشنطن لا تعلن ذلك.













