الأربعاء, فبراير 4, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderالموارنة ولبنان.. والضمير المتصل - المنفصل!

الموارنة ولبنان.. والضمير المتصل – المنفصل!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

“يزور” مار مارون لبنان مرّة كل عام.

يأتي ليتفقّد أحوال الرعيّة، والشرعيّة.

تُقرع له الأجراس. تفتح الكنائس أبوابها. يدلف إليها أصحاب الفخامة، والعطوفة، والسيادة، والسعادة، والمعالي، والأهالي.

يتهامسون. “يبصبص” بعضهم على البعض الآخر. هذا يضع نظّارات سوداء “سينيّه” للتمويه  وتلك تتباهى بمعطف الفراء النادر، فيما يغيب “الشروال” و”الطنطور” عن أناقة الحضور!.

تنتهي المراسم الإحتفالية، ويعود كلّ إلى ربعه، ومربّعه. وكلّ ديك إلى مصطبته. وكأنه لا كنّا، ولا كان، يا قديس لبنان!.

حفظت له الدولة، بمؤسساتها الرسمية، مكانة من الإحترام. وأدرجت تكريمه في عداد الأعياد الدينيّة ـ الوطنيّة. لكنّ الحفاوة لا تحجب الغباوة، ولا تُلغي العداوة. والمشكلة أن الغالبية المارونيّة لا تعرفه، ولا هو يعرفها. إختلفت أولوياته عن أولوياتها، وما يقلقه هو الطلاق الذي ينمو، ويصلب عوده، يوماً بعد يوم، بين لبنان الكيان، المنكوب بسياسة الهذيان!.

كان الإرتباط مع الكيان مصيريّاً ـ زواج ماروني، لا هجر فيه، ولا طلاق ـ لكن ما جرى في باحة بكركي، عشيّة اللقاء التاريخي بين البابا لاوون الرابع عشر، والشبيبة، قد رسم في أفق المستقبل علامات إستفهام مرعبة حول مدى الهوّة السحيقة، والتي تزداد عمقاً، ما بين الطاقات الواعدة، والوطن الأم.

رصد فعل تخلٍّ شبابي مرعب عن الإنتماء، والولاء، والإرتماء في أحضان أوطان أخرى، والإقبال على هجرة لا عودة منها.

هل هو ضمير الإنفصال؟ أو النفور من السلاح المتمرّد على الدولة، وهيبتها، ومهابتها، وعجز مؤسساتها؟!.

الجواب المؤلم الوحيد، أنه لم يبق ما بين وادي العاصي، ووادي قاديشا، سوى دموع الوداع، وحنين الذكريات.

لم تكن “الصحوة الأصوليّة” في زمن “الربيع العربي” إلاّ عاملاً مؤثراً في حركة التموضع الإجتماعي ـ الثقافي الجديد، والمدفوع بخلفيات طائفيّة، ومذهبيّة، وفئوية، بحيث عندما يدور الحديث عن الأوضاع في منطقة ما من الجغرافيا اللبنانيّة، إنما يعني تلقائياً أكثريّة من طائفة معينة.

وهذا الفرز المدفوع بعقدتي الخوف والإنكفاء، إنما يمعن في فكّ أواصر اللحمة بين أبناء الوطن، ويغلّب الضمير المنفصل على الضمير المتصل، وكأن في الأفق الآتي من الأيام، خفيّاً لا بدّ أن يظهر، وتتمظهر معه صورة أيّ لبنان سيكون، ولأي دور، ووظيفة؟

وعندما يتحوّل الفرز السكاني إلى ظاهرة مرضيّة تخيف الآخر، وتتخوّف منه. عندها تصبح الدساتير والقوانين المرعيّة مجرّد معلقات على جدران متصدّعة، تلهو بها رياح التحولات والمتغيّرات.

والأدهى الذي ينمو في شعاب الذاكرة المارونيّة ـ وربما مذاهب أخرى ـ هو التهديد باللجوء إلى العدد، وإن كان البيان المتداول يحمل في طياته تطمينات خجولة مختصرة بكلمتين “أوقفنا العدّ”! لكن إلى متى؟ ومن هو القادر المتحكّم بعلم الغيب، يستطيع أن يقرأ فنجان التطورات والمستجدّات، ويعطي ضمانات على قدر التحديات؟.

ومشكلة العدد، قبل أي شيء آخر، هي مشكلة “البورجوازيّة المارونيّة” النهمة التي فرضت معايير إقتصادية جائرة، متسلّطة، أطاحت بالقناعات الأخلاقيّة، الثقافيّة، الإجتماعية لدى العائلة المارونيّة، فتحوّلت الأكثريّة إلى أقليّة؟.

وما بين القديس مارون، وأتباعه، هوة سحيقة. إنه الأعلم بمدى الشطط الذي أصاب أحفادهم. وهم بالتأكيد لم يحفظوا من سيرته، سوى الكنية، ولم يحتفظوا من إرثه، سوى الهويّة الثقافية.

كانت العائلة في زمانه منجبة، مكثرة. أولاد يسرحون في العراء، يفترشون الأرض، يلتحفون السماء. يجولون في الوعر. ينحتون الصخر.

يحوّلون أديمه إلى بساتين خضراء، وجنائن غنّاء.

تراه يجول اليوم في الشعاب المارونيّة، فلا يرى أُمّاً ترضع، ولا يُمنة تهز سرير. بل يرى تصحّراً عاطفيّاً، وأخلاقيّاً، وثقافيّاً، ومعنويّاً، وماديّاً، ونزف مستمر، وهجرة تقتلع الكفاءات، وترمي بها إلى ديار الله الواسعة.

لقد طرح البابا لاوون خلال زيارته الأخيرة، سؤالاً على ضمير المؤسسات المارونيّة ـ الكاثوليكيّة، سواء على مسامع القديس شربل في عنّايا، ورهبانيته، أو على مسامع البطريركيّة المارونيّة لأنطاكيا وسائر المشرق، حول الوزنات المؤتمنين عليها، ومدى الدور الذي تلعبه في التصدّي للإنهيار المخيف ومدى القدرة على مضاعفتها؟

لكن لغاية الآن لا جواب. وكأن قداسته قد “زرع سرّاً، ليحصد صمتاً مطبقاً” مشبعاً بلامبالاة!.

وفي حمى مار مارون، قد لا يكون من خوف على الموارنة، حتى لو تمّ فسخ الإرتباط، وتأكد الطلاق الوطني. إنهم يمتلكون ما يكفي من الوزنات التي تمكّنهم من أن يعيشوا بكرامة فوق كلّ أرض، وتحت كل سماء، وينخرطوا في المجتمعات المضيفة، ويتركوا بصمة حضارية في محيطهم الجديد.

يبقى الخوف، كل الخوف، على هذا اللبنان الذي نشر الحرف يوماً، ومنذ فجر التاريخ، وأتقن ثقافة الإنفتاح، وخاض بحور المعرفة، وصدّر الحرير والأرجوان، من أن يصدّر اليوم، وفي مطلع الألفية الثالثة، ثقافة مريضة تعاني من “فيروسات” الإستقواء والتسلّط، ومن إزدواجيّة الولاء والإنتماء، ومن سلاح متمرّد على كلّ إصلاح، ومن طمس الهفوات بالشعارات والشعبويات، بعدما وضع الجنوب في مرمى الأطماع الإسرائيليّة.

والخطير، أن النقاش الدائر في بعض كواليس عواصم القرار، لا يقتصر على النقاط الخمس، ومصيرها، ومستقبلها، بل على مصير ومستقبل الجنوب، ومصير ومستقبل وحدة التراب اللبناني، في ظلّ تمرّد السلاح الذي يؤدي وظائف تخدم مشاريع أخرى، مستوردة من أنظمة قمعيّة أخرى.

وعندما ينفصل الجنوب، ينفصل الضمير المتصل بلبنان الكيان!.

إن وطناً تتناهشه أنياب إسرائيليّة – إيرانيّة، بحاجة إلى معجزة ربّانية، إنقاذيّة، وإلاّ!.

تبقى أيام، ويزور مار مارون لبنان ليطلع على أحوال الرعية، والشرعيّة. فبأي حال سيستقبله الموارنة، أو من بقي منهم؟ وبأي حال سيستقبله لبنان العام المقبل، إذا ما قرّر القيام بالزيارة؟.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/DNRkhx5vUMsFgGFcWAYjg8

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img