
| د. سليم الزيبق |
يأتي قرار تعيين مدير عام جديد للجمارك ليُشكّل كبوةً جدّية لحكومة العهد الأولى، ولا سيما أنّها تشكّلت تحت شعار «الإصلاح والإنقاذ». ففي مضمونه، كما في مُلاءمته ومُبرّراته، لا يمكن فصل هذا القرار عن منطق التسويات السياسية، الذي لطالما قوّض ثقة المواطنين بالدولة. وهذا ما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كانت الحكومة جادة في وضع حدّ لممارسات الماضي، أم أنّها أعادت إنتاجها بحلّة جديدة؟
أثار قرار الحكومة بتعيين السيدة غراسيا قزي مديراً عاماً للجمارك موجة استياء عارمة لدى الرأي العام، ولا سيما لدى أهالي الشهداء وضحايا تفجير مرفأ بيروت، الذين وجدوا فيه ضرباً بعرض الحائط لاستقلالية القضاء وتكريساً لثقافة الإفلات من المحاسبة. فصاحبة العلاقة هي واحدة من المُدّعى عليهم، ليس فقط في جريمة تفجير مرفأ بيروت، وإنما أيضاً في قضايا فساد وتلقّي رشاوى وتبييض أموال، وطُلِبَ كفّ يدها عن وظيفتها ومنعها من السفر من قِبل القضاء.
في معرض الدفاع عن قرارها، ربطت الحكومة تعيين السيدة قزي بقرينة البراءة، لعدم صدور أي حكم قضائي بحقها حتى تاريخه. فبالنسبة إلى رئيس مجلس الوزراء «إنّ قرينة البراءة هي ركن أساسي من أركان العدالة، وهذا يعني أنّه ما لم يصدر حكم ضدّ أي شخص، فيحق له ممارسة حقوقه كاملة، بما فيها التعيين في الإدارات العامة».
لا رَيب أنّ قرينة البراءة تُعدّ من أهم الضمانات الأساسية في المحاكمات الجزائية. وهي ليست مجرّد مبدأ من مبادئ القانون الجنائي، بل تُعتبَر حقاً من حقوق الإنسان المُكرّسة في المعاهدات والمواثيق الدولية والملزمة للبنان استناداً إلى مقدّمة الدستور (انظر قرار م. د. ل. رقم 99/1 تاريخ 24/11/1999). فكما تنص المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «كل شخص متّهم بجريمة يُعتبر بريئاً إلى أن يَثبت ارتكابُه لها قانوناً في محاكمة علنية…» وعادلة. وبناءً عليه، فإنّ مجرّد ملاحقة الموظف أمام القضاء الجزائي لا تعني ثبوت ارتكابه جرماً، وبالتالي لا يمكن، من حيث المبدأ، حرمانه من الترقية أو التعيين لمجرّد الشُبهة أو الاتهام.
غير أنّ التعيين في الإدارات العامة، لا يخضع فقط إلى معيار المشروعية القانونية، وإنما أيضاً إلى اعتبارات المصلحة العامة وضمان الثقة في المرافق العامة. فبالنسبة إلى الوظيفة العامة، ولاسيما المناصب العليا فيها، لا يكفي أن يكون الموظف من غير المحكوم عليهم، وإنما يجب أن يكون أيضاً فوق الشبهات. وهذه الاعتبارات تعطي السلطة الإدارية المختصة الحق في تقدير ملاءمة التعيين، من دون أن يُشكّل ذلك انتهاكاً لقرينة البراءة بالمعنى الجزائي الضيّق. فالتمتع بالحقوق المدنية والأهلية الأخلاقية هي من ناحية أخرى، فإنّ تعيين صاحبة العلاقة بهذا المنصب الحساس، بذريعة احترام قرينة البراءة، قد يُشكّل انتهاكاً لمبدأ آخر يسمو على هذه القرينة، ألا وهو مبدأ استقلالية القضاء. إذ من الصعب الإعتقاد بأنّ تعيين شخص مُلاحَق من قِبل القضاء بتُهَم خطيرة، في مركز حساس من قِبل الحكومة، لا ينطوي على إيحاء، كَي لا نقول حكماً مسبقاً، ببراءة المتهم. وتزداد خطورة هذا الإيحاء عندما نعلم أنّ المسؤولية التي تترتّب على الموظف لا تقتصر على المسؤولية الجزائية فحسب، وإنّما تشمل أيضاً المسؤولية التأديبية، فضلاً عن المسؤوليّتَين الإدارية والمدنية اللتَين لا تتصلان مباشرة بموضوعنا.
على رغم من أنّ المسؤولية التأديبية تتسمّ بطابع عقابي، شأنها شأن المسؤولية الجنائية، فإنّه من المتفق عليه علماً واجتهاداً، أنّ المسؤوليّتَين مستقلتان عن بعضهما البعض، نظراً لاختلافهما بطبيعة وأهداف المسؤولية والسلطة المختصة للنظر بها.
فالمسؤولية الجنائية التي تُفضي إلى عقوبات جزائية، كالأشغال الشاقة والسجن والغرامة على سبيل المثال، لا تهدف إلّا إلى حماية النظام العام ومعاقبة الأفعال التي يُجرّمها قانون العقوبات، ولا تقوم إلّا بثبوت الجرم بحُكم قضائي نهائي صادر عن المرجع الجزائي المختص.
أمّا المسؤولية التأديبية، التي تؤدّي إلى عقوبات تأديبية تصدر عن الهيئات الإدارية المختصة، كالتنبيه والإنذار والعزل، فهي ترمي إلى ضمان حُسن سير المرفق العام وصَون سمعة الوظيفة العامة، وتقوم بمجرّد ثبوت إخلال الموظف عن قصد أو عن إهمال، بالواجبات التي تفرضها عليه القوانين والأنظمة النافذة، ولا سيما الواجبات المنصوص عليها في نظام الموظفين، ولو لم يُشكّل الفعل جرماً جزائياً. وهذا ما أكّدت عليه المادة 45 من قانون الموظفين، إذ جاء في الفقرة الأخيرة من هذه المادة: «لا تحوّل الملاحقة التأديبية من دون ملاحقة الموظف عند الاقتضاء أمام المحاكم المدنية أو الجزائية». وعليه، لا تحوّل الملاحقة الجزائية من دون ملاحقة الموظف عند الاقتضاء أمام السلطة التأديبية. كما أنّ الجمع بين العقوبتَين الجزائية والتأديبية لا يُشكّل ازدواجية في العقاب ولا مخالفة لمبدأ عدم المحاكمة عن الفعل ذاته مرّتَين.
في هذه الظروف، أليس من المُجدي التساؤل عن عدم خضوع السيدة قزي لأي ملاحقة تأديبية حتى تاريخه، على رغم من خطورة الأفعال المنسوبة إليها؟
إلّا أنّ الأخطر من ذلك، هو معرفة أنّ الموظف يُحال على مجلس التأديب بمرسوم أو بقرار من السلطة التي لها حق التعيين، أي مجلس الوزراء. فهل يُعقل أن يُحيل هذا المجلس صاحبة العلاقة على مجلس التأديب بعد أن قرّر تعيينها مديرة عامة للجمارك؟ ألم يصبح قرار التعيين حماية من المسؤولية التأديبية؟













