الخميس, يناير 29, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderلبنان.. أرض خصبة للسرطان!

لبنان.. أرض خصبة للسرطان!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| بتول أرسلان |

بهدوءٍ تام، دخل السرطان حياة عمّة فاطمة.

لم يأتِ كصدمة مفاجئة، بل تسلّل على بهدوء، تمامًا كما تفعل الملوّثات التي تحاصر المكان وتعتاد عليه الأجساد قبل أن تستسلم له. في محيط المنزل، ثلاث مولّدات كهرباء لا تنطفئ، نفايات متراكمة، ومكبّ مفتوح، جعلت من التلوّث حضورًا يوميًا ثابتًا، لا يُرى دائمًا… لكن يُستنشَق ويُختزَن في الجسد.

تقول فاطمة: “نعيش في منطقة تعاني تلوّثًا دائمًا منذ سنوات. عمّتي كانت تشكو باستمرار من ضيق في التنفّس وروائح خانقة، قبل أن تبدأ آلام المعدة بالظهور”.

أعراض بدت عابرة في البداية، يمكن احتمالها أو تأجيلها، كما اعتاد كثيرون في بلدٍ يؤجّل فيه المرض بانتظار القدرة على العلاج.

فحوصات طبية متعدّدة لم تُظهر في مراحلها الأولى أي خلل واضح. كان كل شيء يبدو طبيعيًا على الورق، فيما كان الألم يتصاعد بصمت داخل الجسد. إلى أن كشفت الفحوصات لاحقًا وجود سماكة في الرحم استدعت تدخّلًا جراحيًا. لم يكن ذلك سوى البداية.

فحص “PET Scan” حمل الحقيقة القاسية: السرطان لم يكن وليد اللحظة، بل كان قد بدأ رحلته منذ وقت، وانتشر بصمت حتى وصل إلى مرحلته الرابعة.

من هناك، بدأت رحلة علاج طويلة وقاسية بلا أفق واضح. آلام يومية، تساقط شعر، تغيّر في لون البشرة، وانهيار تدريجي للجسد، ترافق مع خسارة نحو ثلاثين كيلوغرامًا من الوزن. لم يكن المرض وحده الخصم، بل الكلفة أيضًا: فواتير علاج، عمليات، وأدوية تفوق قدرة العائلة.

وقبيل وفاتها، انتقل السرطان إلى الرأس. دوار دائم، غثيان حادّ، وعجز كامل عن الاحتمال. كانت العائلة تقف على الهامش، محاصَرة بالعجز المادي، ومن دون أي دعم رسمي يُذكر.

هكذا انتهت القصة… بهدوء يشبه بدايتها.

الأطباء يدقّون ناقوس الخطر

يقول الطبيب محمد حيدر في حديث لموقع “الجريدة” إنّ المستشفيات اللبنانية تشهد خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في عدد حالات السرطان، سواء لناحية الحالات الجديدة أو المتقدّمة.

ويوضح أنّ هذا الارتفاع لا يقتصر على نوع واحد من السرطان، بل يشمل أنواعًا عدّة، ما يدفع الأطباء إلى التوقّف عند العوامل البيئية والصحية المحيطة، إضافة إلى نمط الحياة والضغوط النفسية والاقتصادية.

ويشير حيدر، إلى أنّ تحسّن وسائل التشخيص قد يفسّر جزءًا من هذا الارتفاع، “لكنّه لا يلغي وجود عوامل أعمق، أبرزها التعرّض المزمن للملوّثات البيئية”

ويلفت حيدر إلى أنّ أكثر أنواع السرطان انتشارًا حاليًا تشمل سرطانات الرئة، الثدي، الجهاز الهضمي، والدم، مؤكدًا أنّ دراسات عالمية عدّة تربط بين التعرّض الطويل الأمد للملوّثات الهوائية الناتجة عن العوادم، حرق النفايات، والمواد الكيميائية الصناعية، وبين ارتفاع معدّلات الإصابة.

ويحذّر من أنّ السرطان لم يعد حكرًا على الفئات العمرية المتقدّمة، إذ تُسجَّل اليوم حالات متزايدة في أعمار شابة نسبيًا، ما يطرح تساؤلات جدّية حول نمط الحياة الحديث، التلوّث، ونوعية الغذاء

حين تتكفّل البيئة بكتابة مسار المرض

على المستوى العلمي، لا تبدو شهادات الأطباء معزولة عن السياق العالمي، بل تتقاطع بوضوح مع ما خلصت إليه دراسات دولية مرموقة نُشرت في مجلّة “The Lancet”، والتي تناولت عبء السرطان عالميًا وعلاقته المباشرة وغير المباشرة بالعوامل البيئية. هذه الدراسات تضع التلوّث في صلب معادلة الخطر، معتبرة أنّ التعرّض المزمن والمستمر للملوّثات البيئية يشكّل أحد العوامل التراكمية الأساسية التي تساهم في ارتفاع معدّلات الإصابة بالسرطان، لا سيّما في الدول التي تعاني تلوّثًا هوائيًا ومائيًا طويل الأمد.

وتُظهر الأبحاث أنّ مصادر التلوّث الشائعة، مثل عوادم المركبات، حرق النفايات العشوائي، والانبعاثات الناتجة عن المواد الكيميائية الصناعية، لا تقتصر أضرارها على تأثيرات صحية آنية أو أمراض تنفّسية عابرة، بل تُحدث تغيّرات خلوية عميقة تتراكم داخل الجسم مع مرور الوقت. هذه التغيّرات قد تخلّ بتوازن الخلايا الطبيعية، وتزيد احتمالات التحوّل السرطاني، في مسار بطيء وغير مرئي غالبًا، لكنه بالغ الخطورة.

ورغم أنّ إثبات العلاقة السببية المباشرة بين التلوّث والسرطان يظلّ علميًا معقّدًا، نظرًا لتداخل عوامل أخرى مثل الوراثة ونمط الحياة، إلا أنّ تكرار النتائج نفسها في أكثر من سياق جغرافي، وضمن دراسات طويلة الأمد، يعزّز فرضية الترابط الوثيق بين البيئة الملوّثة وارتفاع العبء السرطاني. فحين تتشابه أنماط الإصابة في مدن ومناطق مختلفة تشترك بمستويات تلوّث مرتفعة، يصبح تجاهل هذا الرابط أقرب إلى الإنكار منه إلى الحذر العلمي.

وفي هذا الإطار، بيّنت إحدى الدراسات المنشورة أنّ لبنان سجّل ارتفاعًا ملحوظًا في معدّلات الإصابة بالسرطان بين عامي 1990 و2023، في مسار تصاعدي لافت. كما حذّرت من توقّعات بزيادة إضافية في معدّلات الوفيات بحلول عام 2050، ما يضع البلاد ضمن قائمة الدول الأكثر عرضة لارتفاع العبء السرطاني عالميًا، في ظل غياب سياسات بيئية وصحية متكاملة قادرة على كبح هذا المسار.

هواء ملوث.. وأجساد تدفع الثمن

مصدر من الجامعة الأميركية في بيروت كشف لموقع “الجريدة” أنّ العلاقة بين التلوّث البيئي والأمراض التنفّسية والسرطانية لم تعد موضع نقاش علمي، بل باتت موثّقة عالميًا من قبل منظمة الصحة العالمية، التي تصنّف تلوّث الهواء ضمن أبرز عوامل الخطر المسبّبة للوفاة والأمراض المزمنة حول العالم.

وأشار المصدر إلى أنّ المدن اللبنانية، ولا سيّما بيروت وضواحيها، تعيش تحت ضغط مصادر تلوّث “خطيرة ومزمنة” في مقدّمها مولّدات الديزل المنتشرة داخل الأحياء السكنية، والأسطول الكبير من السيارات القديمة غير الخاضعة لأي رقابة فعلية على الانبعاثات، إضافة إلى حرق النفايات والأنشطة الصناعية غير المنظَّمة.

ولفت إلى أنّ هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة ملوّثة بشكل دائم، لا تقتصر آثارها على تهيّج الجهاز التنفّسي، بل تمتدّ إلى مخاطر صحية أعمق على المدى الطويل.

وأوضح المصدر أنّ لبنان يفتقر حتى اليوم إلى دراسات وطنية شاملة تربط بشكل مباشر بين نسب التلوّث البيئي ومعدّلات الإصابة بالسرطان، “غير أنّ غياب الدراسات لا يعني غياب المشكلة”.

وأضاف: “لدينا قياسات علمية متعدّدة تُظهر مستويات مرتفعة جدًا من الملوّثات في الهواء، بعضها يتجاوز المعايير المسموح بها عالميًا، ما يجعل الربط بين هذا الواقع البيئي وارتفاع الأمراض السرطانية أمرًا منطقيًا من الناحية العلمية والطبية».

وشدّد المصدر لـ”الجريدة” على أنّ التأثير الصحي للتلوّث لا يكون فوريًا في معظم الأحيان، بل تراكميًا، إذ تتراكم المواد المسرطِنة داخل الجسم مع مرور الوقت، مسبّبة تغيّرات خلوية قد لا تظهر نتائجها إلا بعد سنوات.

واعتبر أنّ هذا العامل يفسّر جزئيًا ازدياد حالات السرطان المكتشفة في مراحل متقدّمة، وظهور إصابات لدى فئات عمرية أصغر ممّا كان مألوفًا في السابق.

كما اكد أنّ معالجة هذا الملف لا يمكن أن تبقى محصورة في القطاع الصحي وحده، بل تتطلّب مقاربة وطنية متكاملة تبدأ من السياسات البيئية والرقابية، “لأن الوقاية الحقيقية من السرطان لا تبدأ في غرف العلاج، بل من الهواء الذي نتنفّسه يوميًا”

سرطان بلا أرقام.. والدولة تكتفي بالافتراضات!

في المقابل، علّق وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين على نتائج الدراسات، معتبرًا أنّ توقّع تصدّر لبنان وفيات السرطان يعتمد على افتراضات إحصائية في ظل غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة حول الوفيات.

وأشار إلى أنّ الوزارة رفعت التغطية المالية المخصّصة لأدوية السرطان من نحو مليوني دولار إلى ستة ملايين دولار شهريًا، لافتًا إلى أنّ نسبة رفض طلبات العلاج لا تتجاوز 6%، وتقتصر على الحالات التي لا تستوفي الشروط الطبية.

وأفادت الوزارة بأنّ السجلّ الوطني للسرطان نشر بيانات الحالات حتى عام 2023، وهو في طور استكمال بيانات عامي 2024 و2025، كما ترحّب باستخدام بياناته غير المحدّدة من قبل الجامعات والمؤسسات الأكاديمية ضمن آليات رسمية.

بين شهادات المرضى، وآراء الأطباء، والدراسات العلمية، تتكشّف صورة واحدة: السرطان في لبنان ليس مجرّد مرض، بل نتيجة مسار طويل من التلوّث والإهمال.

وارتفاع معدّلات الإصابة ليس رقمًا عابرًا، بل إنذارًا واضحًا بأن حماية الحياة لا تبدأ من غرف العلاج، بل من الهواء الذي نتنفّسه، ومن قرارات لم تعد تحتمل.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/DNRkhx5vUMsFgGFcWAYjg8

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img