
| ريم هاني |
في خضمّ تصاعد المخاوف، لدى المراقبين الغربيين، من الفوضى وغياب البديل المنظّم للنظام الإيراني، يتوقّع هؤلاء أن يكون أيّ تحرك عسكري أميركي محدوداً، على أن يتمّ استغلاله كرافعة دبلوماسية ضدّ طهران.
على الرغم من تصاعد المؤشّرات التي تنذر بجولة قتال جديدة قد يشهدها الشرق الأوسط، بات العديد من المراقبين يرجّحون أن تتخلّى واشنطن عن فكرة «إسقاط» النظام، ما سيجعل أهداف أيّ هجمة أميركية محتملة ضدّ طهران محصورة في انتزاع «تنازلات» دبلوماسية من الأخيرة، بدلاً من المخاطرة بحرب طويلة الأمد، لن تجلب إلا الفوضى، من دون النجاح في إحداث نقلة «نوعية» داخل البلاد. وفي هذا السياق، تنقل صحيفة «واشنطن بوست» عن كيفن دونيجان، نائب الأدميرال المتقاعد والقائد الأعلى السابق للبحرية في الشرق الأوسط، قوله إنه «لا يمكن التنبّؤ» بنتيجة أيّ هجوم على الحكومة الإيرانية، وإن «هدف ترامب المحتمل هو على الأرجح تحسين موقفه في المفاوضات المستقبلية بدلاً من تحقيق نصر عسكري صريح». ويشير دونيجان إلى أنه «على الرغم من الهجمات السابقة ضدّ أنظمتها الصاروخية وأنظمة القيادة والسيطرة، إلا أن طهران لا تزال تمتلك الكثير من الصواريخ والطائرات المُسيّرة التي يمكنها ضرب القواعد الأميركية في المنطقة»، معتبراً أن ما يحصل هو بمثابة «حركة ضغط قصوى»، تكون «الصفقة» هي النتيجة المرجوّة منها.
وفي المُجمل، تشير التقديرات إلى أن أيّ عملية عسكرية واسعة النطاق ستكون محفوفة بالمخاطر، في وقت تحذّر فيه دول من مثل السعودية وسلطنة عمان وقطر، الولايات المتحدة، من تداعيات أي عملية من هذا النوع على الاستقرار في الإقليم وأسعار النفط؛ ويقدّر مسؤولون إسرائيليون، بدورهم، أن النظام «لم يصل بعد إلى نقطة الانهيار».
ويتضمّن أحد السيناريوات المرجّحة، توجيه ضربات محدّدة إلى منشآت بعض الجهات في النظام وأصولها، وعلى رأسها المكاتب والمصالح التجارية التابعة لـ«الحرس الثوري»، أو أعضاء «الباسيج». ويعتبر مؤيدو هذه الخطة – المتخوّفون من عملية طويلة الأمد تعيد سيناريوات العراق وليبيا وأفغانستان إلى الأذهان -، أن هذا السيناريو سيشكّل مدخلاً لـ«إضعاف الحرس الثوري»، وتشجيع المتظاهرين «على التظاهر علناً وجماعات المعارضة على التنظيم».
على أنه حتى هذه الأهداف تبدو بعيدة المنال؛ إذ ينقل تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» أخيراً، عن شموئيل بار، الذي خدم في مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي لمدة 30 عاماً، أنه من الممكن استخدام أدوات حربية هجينة وسرية أخرى لتشتيت انتباه النظام ونفوذ «الحرس الثوري»، تشمل التواصل مع الانفصاليين البلوش والأكراد، وأن واشنطن كانت تجمع، على الأرجح، «معلومات استخباراتية عن المنشقّين المحتملين الذين سيتم استدراجهم من الوكالات الحكومية، بمن في ذلك من داخل (الحرس)»؛ إلا أن أيّ جهد ينطوي على دعم أجنبي للأقليات العرقية يمكن أن تستخدمه إيران لـ«توحيد الأغلبية حول العَلم وإضعاف الاحتجاجات».
وفي حين تبقى إمكانية استمالة «جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية» (أرتش) وجعله يدخل في مواجهة مع «الحرس الثوري»، مطروحة على الطاولة، يجادل البعض بأن «أي صدام من هذا القبيل يمكن أن يؤدّي إلى إيران أقل استبدادية، وأكثر انسجاماً مع العصر»، إلا أنه قد يدفع، في المقابل، إلى حرب أهلية وفوضى لا تجتاح إيران فحسب، بل تمتدّ أيضاً إلى المنطقة. وفي حين تؤكّد تريتا بارسي، نائبة الرئيس التنفيذي لـ«معهد كوينسي»، كان ينحاز دائماً إلى صف النظام لدى مواجهة أي تهديدات خارجية، يرى بعض المعارضين في الخارج أنه لا ينبغي، في هذه اللحظة، «التعويل على انشقاق الجيش».
وعلى الرغم من أن بعض المراقبين والسياسيين في واشنطن وتل أبيب يتحدّثون عن إمكانية عودة المتظاهرين إلى الشارع، فإنهم يقرّون بأن المشكلة الأساسية تكمن في غياب أي معارضة سياسية فاعلة في إيران. ويضاف إلى ما تقدّم، بحسب عيران ليرمان، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، أن «الشيء الوحيد المفقود هو الانشقاقات داخل الحرس الثوري الإيراني»، والتي «سستغرق بعض الوقت حتى تظهر». وبالفعل، كانت العديد من المعلومات تركّز، في الأشهر الأخيرة، على وجود جيل جديد من الشباب داخل «الحرس»، «أكثر تطرفاً والتزاماً وخبرة»، سيكرّس جهوده لتشكيل «خطر أكبر» على الولايات المتحدة وإسرائيل.
على الضفة نفسها، يورد تقرير نشره «معهد الشرق الأوسط» مقارنة بين وضع إيران إبّان الثورة الإسلامية عام 1979، والواقع على الأرض اليوم، مشيراً إلى أنه في الأيام الأولى للاحتجاجات في إيران، توقّع العديد من المراقبين انهياراً وشيكاً للنظام، إلا أنه حالياً، تزداد التحليلات التي تصبّ في «الاتجاه المعاكس»، وتؤكّد «متانة النظام ومدى اختلاف اللحظة الراهنة عن عام 1979، عندما تمّت الإطاحة بمحمد رضا شاه بهلوي».
وفيما يزعم أصحاب الرأي المتقدّم أن «الجمهورية الإسلامية التي نعرفها اليوم لا يمكن أن تستمرّ»، إلا أنهم يقرّون بأن «انهيارها أو أيّ تحوّل قد تشهده لن يعني (التحرر)»، ولا سيما في غياب أيّ بديل عملي. ويردف التقرير: «في عام 1979، كانت المعارضة أكثر توحيداً وتنظيماً ممّا هي عليه اليوم – حيث تبدو مجزّأة ومنقسمة بسبب انعدام الثقة العميق -. كما يشير المحللون إلى أن العديد من المسؤولين في عهد الشاه تمكّنوا من العثور على ملجأ في الغرب واستئناف حياتهم المهنية بعد فقدان السلطة، وهو ما لن ينطبق على مسؤولي الجمهورية الإسلامية اليوم»، الذين جمعتهم جولات دموية مع الأميركيين.
وإذ من غير المُرجّح أن تؤدّي الضربات العسكرية المحدودة، بمفردها، إلى إسقاط النظام، وخاصة في غياب استراتيجية سياسية أوسع نطاقاً، يبدو الغزو البري أمراً غير قابل للطرح، ولا سيما أن سجلّ الولايات المتحدة في إنتاج الديمقراطية بالقوة «غير مُلهِم». كذلك، سيكون، بحسب المصدر نفسه، من الخطأ الافتراض أن أولويات واشنطن تتوافق مع تطلعات الشعب الإيراني، ولا سيما أن قرارات دونالد ترامب ستأتي مدفوعة بالحسابات الشخصية والسياسية أولاً، ثمّ بالمصالح الأميركية المُتصوَّرة ثانياً. وعليه، «يظل التوصل إلى اتفاق مع عناصر النظام القائم ــ أو مع رجل قوي ينبثق من داخل الحرس الثوري الإيراني ــ في مقابل تقديم تنازلات بشأن النفط، أو القضايا الإقليمية، أو الاحتواء النووي أمراً ممكناً تماماً».













